ابن حمدون

463

التذكرة الحمدونية

مصعب أضرب عن ذكره أياما حتى تحدّثت به إماء مكة في الطريق ، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم ، فنظرت إليه والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقا ، فقلت لآخر إلى جنبي : ماله لا يتكلم ؟ أتراه يهاب المنطق ؟ فو اللَّه إنه لخطيب فما تراه يهاب ؟ قال : أراه يريد أن يذكر قتل مصعب سيد العرب ، فهو يفظع [ 1 ] بذلك ، وغير ملوم هو . فقال : الحمد للَّه الذي له الخلق والأمر ، مالك الدنيا والآخرة ، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء ، إلا أنه واللَّه لا يذلّ من كان الحقّ معه وان كان مفردا ضعيفا ، ولا يعزّ من كان الباطل معه وإن كان في العدد والكثرة . ثم قال : إنه أتانا الخبر من العراق بلد الغدر والشقاق ، فساءنا وسرّنا ، أتانا أنّ مصعبا قتل ، رحمة اللَّه عليه ومغفرته ، فأما الذي حزننا [ 2 ] من ذلك فان لفراق الحميم لذعة [ 3 ] يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يرعوي من بعد ذوو الرأي والدين إلى جميل الصبر ، وأما الذي سرّنا منه فانا قد علمنا أنّ قتله شهادة ، وأنّ اللَّه عز وجل جاعل لنا وله خيرة في ذلك ، إن شاء اللَّه . إنّ أهل العراق أسلموه وباعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه منه وأخسره ، أسلموه إسلام الجمل المخطم فقتل [ 4 ] ، ولئن قتل فلقد قتل أبوه وعمه وأخوه وكانوا الخيار [ 5 ] الصالحين ، إنّا واللَّه ما نموت حتف أنوفنا ، ما نموت إلا قتلا قصعا قصعا بين قصد الرماح وتحت ظلال السيوف ، ليس كما تموت بنو مروان ، واللَّه ما قتل رجل منهم في جاهلية ولا إسلام . وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا ملكه [ 6 ] ، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ البطر