ابن حمدون

385

التذكرة الحمدونية

تأكله فكل ، وأخرج إليّ رغيفين والملح ، فأكلتهما وبتّ ميتا جوعا ، وأصبحت فسرنا حتى نزلنا المنزل ، فقال لغلامه : ابتع لنا لحما بدرهم ، فابتاعه ، فقال : كبب لي قطعا ، ففعل ، فأكله ونصب القدر ، فلما اغبرت قال : اغرف لي منها قطعا ففعل ، وأكلها [ 1 ] ثم قال : اطرح فيها دقة وأطعمني منها ، ففعل ، ثم قال : ألق توابلها وأطعمني منها ، ففعل ، وأنا جالس أنظر إليه لا يدعوني ، فلما استوفى اللحم كلَّه قال : يا غلام أطعم أشعب ، فرمى إليّ برغيفين ، فجئت إلى القدر فإذا ليس فيها إلَّا مرق وعظام ، فأكلت الرغيفين ، وأخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة ، فأخذ منها حفنة فأكلها ، وبقي في كفه كفّ لوز بقشره ، ولم تكن له فيه حيلة ، فرمى به إليّ وقال : كل هذا يا أشعب ، فذهبت أكسر واحدة منه فإذا ضرسي قد انكسرت منها قطعة فسقطت بين يديّ ، وتباعدت أطلب حجرا أكسر به فوجدته فضربت به لوزة فطفرت علم اللَّه مقدار رمية حجر ، وعدوت في طلبها ، فبينا أنا في ذلك إذ أقبل بنو مصعب ، يعني ثابتا وإخوته ، يلبّون بتلك الحلوق الجهورية ، فصحت بهم : الغوث الغوث باللَّه وبكم يا آل الزبير ، الحقوني أدركوني ، فركضوا إليّ ، فلما رأوني قالوا : مالك ويلك ؟ قلت : خذوني معكم تخلصوني [ 2 ] من الموت ، فحملوني معهم ، فجعلت أرفرف بيديّ كما يفعل الفرخ إذا طلب الزّقّ من أبويه ، فقالوا : مالك ويلك ؟ قلت : ليس هذا موضع الحديث ، زقّوني زقوني ما معكم ، فقد متّ ضرا وجوعا منذ ثلاث ، فأطعموني حتى تراجعت نفسي وحملوني معهم في محمل ثم قالوا : أخبرنا بقصتك ، فحدثتهم وأريتهم ضرسي المكسورة ، فجعلوا يضحكون ويصفقون فقالوا : ويحك من أين وقعت على هذا ؟ هذا من أبخل خلق اللَّه وأدناهم نفسا . فحلفت بالطلاق أني لا أدخل المدينة ما دام له بها سلطان ، فلم أدخلها حتى عزل .