ابن حمدون
304
التذكرة الحمدونية
تساقى الناس بعدك يا ابن عوف ذريع الموت ليس له شفاء ألم تقم علينا الساعة يوم قامت عليه ؟ لا واللَّه لا أسمع منك شيئا ، ولا أنفعك بنافعة أبدا ، أخرجوه عنّي . فقال له القرشيون والشاميون : وما الذي أعطاك [ 1 ] حتى استخرج هذا منك ؟ قال : أم واللَّه لقد أعطاني غيره أكثر من عطيته ، ولكن لا واللَّه ما أعطاني أحد قط أحلى في قلبي ولا أبقى شكرا ولا أجدر ألَّا أنساه ، ما عرفت الصلات ، من عطيّته . قالوا : وما أعطاك ؟ قال : قدمت المدينة ومعي بضيّعة لي لا تساوي عشرة دنانير أريد أن أبتاع قعودا من قعدان الصدقة ، فإذا برجل بصحن السوق على طنفسة قد طرحت له ، وإذا الناس حوله ، وإذا بين يديه إبل معقولة ، فظننت أنه عامل السوق ، فسلَّمت عليه فأثبتني وجهلته ، فقلت له : رحمك اللَّه ، هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي ؟ فقال : نعم ، أو معك ثمنه ؟ فقلت : نعم ، فأهوى بيده إليّ فأعطيته بضيّعتي ، فرفع طنفسته فألقاها تحتها ، ومكث طويلا ، ثم قمت إليه فقلت : أي رحمك اللَّه انظر في حاجتي ، فقال : ما منعني منك إلا النسيان ، أمعك حبل ؟ قلت : نعم قال : هكذا أفرجوا ، فأفرجوا حتى استقبل الإبل التي بين يديه ، فقال : اقرن هذه وهذه [ 2 ] - ، فما برحت حتى أمر لي بثلاثين بكرة ، أدنى بكرة فيها - ولا دنيّة فيها [ 3 ] - خير من بضاعتي ثم رفع طنفسته فقال : شأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه ، فقلت : رحمك اللَّه أتدري ما تقول ؟ فما بقي عنده إلَّا من نهرني وشتمني ، ثم بعث معي نفرا فأطردوها حتى أطلعوها في رأس الثنية ، فو اللَّه لا أنساه ما دمت حيا أبدا .