ابن حمدون

288

التذكرة الحمدونية

إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال له : هل في نفسك منها شيء ؟ قال : نعم واللَّه ، وإن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف ، فضحك عبيد اللَّه وقال : فشأنك بها فهي لك قال : جعلت فداك ، أنّى وإن يبلغ ذلك معاوية يجد عليّ ، قال : فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن ، فإذا كان [ 1 ] خروجنا حملها إليك ليلا ، قال الحاجب : واللَّه لهذه الحيلة في الكرم أكبر من الكرم ، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه ، يعني معاوية ، فظنّ عبيد اللَّه أنها مكيدة منه فقال : دع هذا الكلام فإنا قوم نفي بما عقدنا ولا تنقض ما أكَّدنا . « 754 » - وجاءه رجل من الأنصار فقال له : يا ابن عمّ محمد ، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سمّيته باسمك تبركا مني به ، وإنّ أمّه ماتت ، فقال عبيد اللَّه : بارك اللَّه لك في الهبة ، وأجزل لك الأجر على المصيبة ، ثم دعا بوكيله فقال : انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه ، وادفع إليه مائتي دينار لينفقها على تربيته ، ثم قال للأنصاريّ : عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس ، وفي المال قلَّة . فقال الأنصاري : جعلت فداك ، لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب أبدا ، ولكنه سبقك فصرت له تاليا ، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده ، وطلّ صوبك أكثر من وابله . « 755 » - وعبيد اللَّه بن أبي بكرة من الأجواد ، أدلى إليه رجل بحرمة فأمر له بمائة ألف درهم فقال : أصلحك اللَّه ما وصلني بها أحد قط ، لقد قطعت لساني عن شكر غيرك ، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك ، ولولا أنت لم تبق لنا بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس .

--> « 754 » العقد 1 : 2960 والمستجاد : 187 والمستطرف 1 : 160 . « 755 » العقد 1 : 300 .