ابن حمدون
283
التذكرة الحمدونية
المنتصر باللَّه ، وأحمد بن الخصيب جالس ، فدخل الحاجب فقال : أيها الأمير هذا [ 1 ] الحسن بن سهل بالباب ، فالتفت إليه أحمد فقال : دعنا من العظام الناخرة والرسوم الداثرة ، فوثب أبي وقال : أيها الأمير إنّ للحسن بن سهل عليّ نعما عظاما وله في عنقي أياد جمة ، فقال : ما هو يا عمر ؟ فقال : ملأ واللَّه بيتي ذهبا وفضة ، وأدنى مجلسي ، وخلع عليّ وألحقني برؤساء أهل العلم كأبي عبيدة والأصمعي ووهب بن جرير وغيرهم ، وقد أقدرني اللَّه سبحانه بالأمير على مكافأته وهذا من أوقاته ، فإن رأى الأمير أن يسهّل إذنه ويجعل ذلك على يدي وحبوة لي وذريعة إلى مكافأة الحسن بالحسنى فعل ، فقال : يا أبا حفص بارك اللَّه عليك ، فمثلك يستودع المعروف ، وعندك يثمر البرّ ، وبمثلك يرغب الأشراف في اتخاذ الصنائع ، وقد جعلت إذن الحسن إليك ، فأدخله أيّ وقت حضر من ليل أو نهار ، لا سبيل لأحد من الحجّاب عليه ، فقبّل البساط ووثب إلى الباب ، فأدخل الحسن ، وأتكأه يده ، فلما سلَّم على المنتصر أمره بالجلوس فجلس ، وقال له : قد جعلت إذنك إلى أبي حفص فاحضر إذا شئت من غدوّ أو عشيّ ، وارفع حوائجك ، وتكلَّم بكلّ ما في صدرك ، فقال الحسن : واللَّه أيها الأمير ما أحضر طلبا للدنيا ولا رغبة فيها ولا حرصا عليها ، ولكني عبد يشتاق إلى مواليه وسادته ، وبلقائهم يشتدّ ظهره وينبسط أمله وتتجدّد نعم اللَّه تعالى عنده ، وما أحضر لغير ذلك ، قال : وأحمد بن الخصيب يكاد ينقدّ غيظا . فقال له المنتصر : فاحضر الآن في أيّ الأوقات أحببت ، فأكبّ الحسن على البساط يقبله شكرا ونهض . قال أبي : ونهضت معه ، فلما بعدنا عن عينه بلغني أن المنتصر قال : هكذا فليكن الشاكرون ، وعلى مثل هذا فلينعم المنعمون ؛ ثم قال الحسن لعمر : واللَّه ما أدري بأيّ لسان أثني عليك ، فقال : يا سبحان اللَّه أنا أولى بالثناء عليك