أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
311
أنساب الأشراف
العرب ، وأهل الأمصار ، وقد نزلوا في مياه عذبة ، وجنان مخصبة في مثل حولاء السلي ، وحدقة الحمل تأتيهم ثمارهم لم تخضد ، وإنا نزلنا في سبخة نشاشة مالحة هشاشة ، جانب منها البحر الأجاج وجانب الفلاة ، فألا تمدنا بفضل عطاء أو زرق نهلك ، فحبسه عمر عنده حولا حيث أعجب بكلامه ليستبرىء ما عنده فلم ير إلا ما يحب . فقال عمر : إنا كنا نحاذر كل منافق عليم ، وإني قد خبرتك حولا فرأيتك ذا جول [ 1 ] ومعقول ، وأذن له فقدم البصرة . وحضر مجلس عمر ، فذكر عمر بني تميم وقال فيهم ، فقال الأحنف : يا أمير المؤمنين منهم الصالح ومنهم الطالح ، فقام الحتات المجاشعي ليتكلم فقال له عمر : اجلس فقد كفاكم سيدكم الأحنف . وحدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي قال : قدم الأحنف على عمر بن الخطاب في أهل البصرة ، فجعل يسألهم رجلا رجلا ، والأحنف جالس في ناحية البيت في بتّ لا يتكلم ، فقال له عمر : أما لك حاجة ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين إن مفاتح الخير بيد الله ، وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة ، والجنان الملتفة ، ونزلنا بسبخة نشاشة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها ، من قبل المشرق البحر الأجاج ومن قبل المغرب الفلاة ، فليس لنا زرع ولا ضرع ، تأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مريء النعامة ، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين ، وتخرج المرأة كذلك فتربق ولدها كما تربق العنز ، نخاف بادرة العدو ، وأكل السبع . فإلَّا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا .
--> [ 1 ] الجول : العقل والعزم . القاموس .