السيد جعفر مرتضى العاملي

57

تفسير سورة هل أتى

وجهد الإنسان في هذه الدنيا هو الذي يحدد مستويات ومواصفات النعيم في الآخرة . فالإنسان العامل هو الذي يتحكم بمفردات النعيم التي يهيؤها الله له ، ويصنع مواصفاتها ، ومقاديرها وأحجامها ، وأنواعها ، وفقاً لقوله تعالى : * ( قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ) * . . حيث أعاد الضمير لهم ، أي للأبرار المتنعمين كما يظهر . التنوع في النعيم : واللافت : أنه تعالى قد أعطاهم هذا النعيم العظيم ، وحباهم بهذا التكريم لترتاح له ، وتلتذ به الروح والقلب ، والمشاعر ، والأحاسيس الباطنية ، تماماً كما أعطى للجسد ما يناسبه من أنواع النعيم المادية . والنعيم الذي يهتم بإبراز معالمه هنا ، هو نعيم روحي معنوي بالدرجة الأولى ، يرتبط بالإدراك العقلي ، وبالإحساس الروحي للمعاني السامية والشريفة لمعنى الكرامة ، والرضا والقرب من الله . . وليس هو مما تناله الجوارح بصورة مباشرة . . وما ذلك إلا لأن الله سبحانه يريد للإنسان أن يسمو في إدراكه وفي عقله ، وفي إنسانيته ، وأخلاقه ، ومشاعره ، ولا يرضى له أن يبقى يعيش في دائرة المحسوسات ، فلا يطيع الله إلا حين يرى العصا ، ولا يحس بالمعاني الإنسانية والروحية إلا حين تنالها جوارحه الظاهرية . . تماماً كما يريد للمرأة أن تلبس الحجاب ، ولكن إذا لبسته عن اقتناع بلزوم طاعة الله ، وإحساس بعظمته وبحضوره ، فإن ذلك يوجب لها أسمى مقام عنده ، لأن الحجاب خوفاً من العصا ، هو أدنى مراتب الطاعة . . حيث يكون الهدف هو حماية جسدها من الآلام ، لا لأنها تريد أن تتلذذ بطاعة الله سبحانه . . وأن تحمي الجسد من خلال الإحساس بلذة الطاعة .