السيد جعفر مرتضى العاملي
255
تفسير سورة هل أتى
قوله تعالى : * ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَ أَنْ يَشَاء اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) * . « وَمَا تَشَاءُونَ » : لقد ظهر أن التعابير في الآيات الأخيرة قد جاءت بطريقة متفاوتة ، تتناسب مع طبيعة الخصوصيات التي يراد الإلماح إليها في كل مقام ، فقد كان التعبير عن مقام العزة الإلهية ، بضمير المتكلم ، وبصيغة الجمع : « أردنا » ، « بَدَّلْنَا » , « شِئْنَا » . ثم جاء التعبير عنه بصيغة المفرد ، وبعنوان الربوبية ، فقال : « إِلَى رَبِّهِ » . . ثم عاد هنا ليتحدث بصيغة ثالثة ، وهي صفة الألوهية ، فقال : * ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَ أَنْ يَشَاء اللهُ ) * . . وكان الحديث أيضاً عن الناس بضمير الغائب : « خَلَقْنَاهُمْ » ، « أَسْرَهُمْ » ، « أَمْثَالَهُمْ » ثم تحول للحديث عن المفرد : « مَنْ شَاء » ، « اتَّخَذَ » ، « رَبِّهِ » . . ثم عاد أخيراً ليتحدث عنهم بضمير الجمع مرة أخرى . . ولكنه اعتبرهم حاضرين ، ووجه إليهم الخطاب مباشرة ، فقال : * ( وَمَا تَشَاءُونَ ) * . . وقد عرفنا : بعض السبب في إجراء الحديث بصيغة الغائب المفرد هناك ، والسبب في عودته هنا للخطاب لهم بضمير الجمع ، مشيراً إلى نفسه تعالى بواسطة لفظ الجلالة . ولعل السبب في الإتيان بلفظ الجلالة هنا ، هو أن تأثير مشيئة الله سبحانه في مشيئة العبد ، إنما هو من موقع الخالقية التي تعني القدرة . وذلك يتناسب مع مقام الألوهية بصورة أتم وأوضح . .