السيد جعفر مرتضى العاملي
216
تفسير سورة هل أتى
ويدل على هذا التعمد : أن هناك أحكاماً تختص بعبادات الليل ، ولا تشمل عبادات النهار ، كالجهر بالقراءة ، فإنه واجب في الصلاة الليلية ، لكن الإخفات هو الواجب في النهارية . وربما يحاول البعض : تعليل ذلك بأن ظهور الإنسان للآخرين ، إنما يكون في النهار غالباً ، فيصبح أكثر تعرّضاً لخطر الرياء في الصلاة من خلال تحسين الصوت في القراءة ، والتأني فيها ، ومراعاة قواعد التجويد ، وما إلى ذلك . . وكذلك الحال بالنسبة لإظهار حالات الخشوع ، والخضوع ، وإجراء الدموع . . غير أننا نقول : إن هذا قد يكون من فوائد الأمر بالإخفات نهاراً ، والجهر ليلاً . . لكنه لا يكفي ليكون هو العلَّة التامّة لهذا التشريع . غير أن مما لا شك فيه : أن للوقت وللمكان خصوصية في التشريع . . ولذلك حدد الشارع للكثير من التشريعات أوقاتاً تناسبها . كما أن هناك خصوصية أخرى ، وهي كثرة المستحبات في الإسلام بحيث لا يمكن لأحد أن يأتي بها جميعاً ، فمثلاً قراءة القرآن مستحبة دائماً ، والصلاة والتسبيح كذلك . فكيف يمكن الجمع بينها ؟ ثم إن للكثير من المستحبات درجات عظيمة من الثواب ، ولعل بعضها أكثر ثواباً من بعض الواجبات . . ولعل سبب ذلك : أن الرقيّ ، والسموّ الروحيّ ، والتكامل في الشخصية الإيمانيّة ، إنما يكون للمستحبات الدور الأهم فيه . ولربما لا يقدر البعض - بحكم طبيعة عمله ، أو بحكم ما يملكه من