السيد جعفر مرتضى العاملي

187

تفسير سورة هل أتى

والشهادة ، فيكون ذلك قاهراً لعقولهم ، وموجباً لخضوعهم ، وبخوعهم واستسلامهم له . وذلك من أسباب تقوية الرسول ، ومعونته وإحكام أمره ، وزيادة درجة الصبر والتحمّل لديه صلى الله عليه وآله . . على طريقة : * ( قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) * ( 1 ) . . فإن تجسّد هذا الغيب على صفحة الواقع حركةً وسلوكاً ، ومفردات حيّة ناطقة ، تلزم بالحجة ، وتقطع العذر ، وتؤكّد يقين الناس ، وتُقوّي موقف الرسول ، إن هذا من شأنه أن يُثلج صدره صلى الله عليه وآله . . ويُفرح قلبه ، ويزيد من تصميمه ، ويشدّ من عزيمته . ولعلّ هذا يفسّر لنا قوله تعالى : * ( لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ) * ( 2 ) . . نعم إن هذا القرآن الذي حدَّث الناس في هذه السورة المباركة ، - سورة : « هَلْ أَتَى » - عن هذه الحقائق والدقائق ، قد أنزله الله تعالى بصورة تدريجية ، لكي يظهر بما لا يقبل الشك أنه من عند عالم الغيب والشهادة ، ولذلك كانت تنزل الآيات في السورة قبل حدوث أي شيء ، ويقرؤها النبي على الناس ، ثم تأتي الأحداث ، ويرى الناس كيف أن الآيات السابقة تنطبق على هذا الحدث اللاحق . فكيف يجوز لمن يرى ذلك أن يتردد في اختيار الإيمان ؟ أو كيف لا يكون صبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، في هذه الحالة أعظم وأجلّ من أن تدركه العقول ، وتناله الأفهام ؟ ! . خصوصاً مع إدراكنا : أن صبره صلى الله عليه وآله نابع - بالدرجة الأولى - من أعماق ذاته ، ومن حقيقة طهره ، وكونه إنساناً إلهياً كاملاً ، متصلاً بالله ، ومتكل عليه في كل أموره عليه تعالى . . وكيف لا يتضاعف هذا الصبر يوماً بعد يوم ، وحتى لحظةً بلحظة ؟ ! . وبعد هذا فإننا نستطيع أن نعرف بعض السر في عطف الكلام عن مجراه السابق ، إلى الكلام عن تنزيل القرآن : « نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً » : ومن أهم فوائد هذا البيان الإلهي لكيفية نزول القرآن ، ومطابقة الآيات لِمَا يحدث في المستقبل : أنه يُهيء للقناعة الوجدانية ، وطمأنينة القلب ، والسلام والرضا في النفس من خلال إعطاء الدليل الملموس على صدق وحقَّانية البيان الذي قدَّمه . . والقضايا إذا استندت إلى الدليل ، فإنها تصبح أشد رسوخاً ، وأعظم أثراً في نشوء وترسيخ حالة الصبر والتحمل للمصاعب والمتاعب . وقد قلنا : إنه تعالى قد أشار إلى هذا الربط بين النزول التدريجي للقرآن ، وبين أثر ذلك في تحقيق الصبر النبوي صلى الله عليه وآله ، حين فرّع الأمر بالصبر ؛ بالفاء ، فقال : * ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) * . .

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 260 . ( 2 ) سورة الفرقان الآية 32 .