السيد جعفر مرتضى العاملي

98

تفسير سورة هل أتى

ورسم حدود لا مجال لتجاوزها . . وهذه الصور العقلية هي الأرقى والأتم في سلسلة الصور الوجودية التي يتعامل معها الإنسان . . بيان ذلك : أن الصور العينية الخارجية لها حظ من الوجود ، ثم تأتي الحواس لتأخذ عنها صوراً حسية . . ثم يترقى مستوى الإدراك إلى حد إدراك أحوال المحسوسات ، وربما يتصرف في الصور أيضاً ، فيدرك أن هذا أكبر من ذاك ، أو أطول ، أو يؤلف من خلالها صوراً تشتمل على عناصر مؤتلفة ، فيتخيل المدينة الفلانية التي لم يرها ، من خلال صور ما رآه بالفعل . ثم هذا القسم والذي سبقه هو عبارة عن صور حسية وخيالية للأعيان الخارجية ، لكن صورها تكون في الذهن ، سواء أكانت الصورة لنفس الشيء ، أم لحالة من حالاته . . وهناك قسم ثالث : أرقى من القسمين السابقين ، وهو إدراك معانٍ جزئية ، ليس لها منطبق خارجي محسوس بالحواس الخمس . . لكنه موجود حقيقي يدرك بآثاره ، وذلك كإدراك حب أبويه له ، وخوف الخائف ، وحزن الحزين . . وهناك معانٍ كلية ليس لها موطن إلا الذهن ، وليست صوراً للأعيان الخارجية ، ولا هي من قبيل التصرف في صور المحسوسات ، ولا هي معانٍ جزئية . وهي على قسمين : أحدهما : معانٍ كلية ذهنية ، محضة ، مثل مفهوم الكلي والجزئي ، والجنس ، والفصل . الثاني : معانٍ كلية موطنها الذهن ، وظرف وجودها الخارج ، مثل : الصغير والكبير ، والحسن والقبح . . والوحدة والكثرة ، والوجود والعدم .