السيد جعفر مرتضى العاملي

77

تفسير سورة هل أتى

فالابتلاء المصاحب للتكليف والمسؤولية يجعل الإنسان مستعداً لإفاضة المزيد من الإدراك ، والفهم ، والوعي ، والسميعية والبصيرية عليه . ولذا قال : * ( فَجَعَلْنَاهُ ) * ولم يقل : فيصير سميعاً بصيراً . تقديم كلمة سميع على بصير : وبالمراجعة إلى الآيات القرآنية يتضح : أن ديدن القرآن قد جرى على تقديم السمع والسميعية على البصر والبصيرية . . فلعل من أسباب ذلك : أن درجات الإحساس بالأشياء تختلف وتتفاوت ، باختلاف صاحب الحاسة ، وباختلاف الحاسة نفسها ، وباختلاف المحسوس أيضاً ، نوعاً ، وكماً ، وكيفاً . ولتوضيح ذلك نقول : إن الإبصار يتم بارتسام صورة لشيء مّا ، ثم يتم إرسال هذه الصورة إلى القوة المدركة ، لتمييز ألوانها ، وأشكالها ، وأحجامها ، ونحو ذلك . . أما السمع ، فهو يحصل بصورة أكثر تعقيداً ، وذلك لأن احتكاك المسموعات يحدث ارتجاجات ، يصل مداها إلى قوى الإدراك التي تقوم بالتمييز بين حالات ومستويات وميزات ذلك الصوت ، الذي نشأ عن ذلك الاحتكاك من خلال ملاحظة حالات وخصوصيات تلك الارتجاجات . . فإذا كان البصر يعكس صورة ، ثم تتلقفها قوة الإدراك ، وتضعها على المشرحة ، وتميز بين حالاتها ، وألوانها ، وأشكالها . . فإن السمع ليس كذلك ، بل إن الصوت يصل أولاً إلى مناطق الإحساس ، ويتفاعل معها ، وتتفاعل معه . . ويثيرها ، ويؤثر فيها . . ثم تتلقفها