السيد جعفر مرتضى العاملي
64
تفسير سورة هل أتى
ولماذا عبر بالجعل ؟ ولماذا كان هذا الجعل منه تعالى ، فلم يقل : فكان سميعاً بصيراً ؟ ! . . ولماذا السمع والبصر دون غيرهما من الحواس ؟ ! . . أو لماذا لم يقل : جعلناه عاقلاً ، أو جعلناه ذا شعور وإدراك ؟ ! . مع أن العقل من أعظم نعم الله على الإنسان . . كما أنه حين ذكر هدايته السبيل ، لم يقل : إما شاكراً ، وإما كافراً ، بل جاء بصيغة المبالغة ، فقال : إما شاكراً ، وإما كفوراً ؟ ! . . وأشار أيضاً إلى الشكر والكفر ، لا إلى الهداية والضلال ؟ ! . . وكل ذلك سيتضح إن شاء الله فيما يأتي من مطالب . . الأمشاجية للمزايا الإنسانية ، لا المادية : ثم إننا نستطيع أن نؤكد ما ذكرناه ببيان آخر ، هو كما يلي : أولاً : إنهم يقولون : إن نطفة الرجل تهاجم بويضة المرأة في القرار المكين ، وتمتزج بها ، ثم تبدأ بالنمو والتطور في مراحل الخلق * ( خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ) * . وفي هذه الأطوار قد يبتلى ببعض البلاءات التي تفرض عليه وراثياً ، بفعل السنن الإلهية الحاكمة ، وتكون النتيجة هي إرث أمراض وعاهات ، وإرث مواصفات جسمانية ، أو حيوانية ، كاللون والشكل ، والطول . . وإرث بعض الحالات النفسانية كقلة الحياء ، أو نحو ذلك . . وقد لا يعرض له شيء من ذلك ، بل يبقى يسير في مراحل النشأة بصورة طبيعية ، وفقاً للسنن الإلهية الحاكمة ، في هذه الأحوال أيضاً . . وليس ذلك كله هو المقصود بقوله في هذه الآية * ( نَبْتَلِيه ) * ، لأن احتمال انتقال تلك الحالات والابتلاءات ، مساوق لاحتمال عدم عروضها للإنسان ، لأن الآية قد فرضت حصول الابتلاء المصاحب للخلق