السيد جعفر مرتضى العاملي

41

تفسير سورة هل أتى

رفع الحاجة وسد الخلل بها ، من مصدر التفضّل والعطاء . فهو جارٍ في سياق تعريف الإنسان بنفسه ، وبخالقه ، بهدف سوقه نحو الكمال . فالامتنان إنما هو بداعي اللطف به ، ومن منطلق الحب ، والرعاية والهداية ، والتربية له ، والإحسان إليه ، فهو نعمة أخرى له عليه ، لا بدّ للإنسان من شكره عليها . إنه بهذا الامتنان يذكره بعجزه ، ونقِيصته ، وحاجته . . ليضعه على الطريق الصحيح ، حيث يشعر بعجزه أمام قدرته تعالى وبضعفه أمام قوته تعالى ، وبفقره أمام غناه ، وبجهله أمام علمه ، وبنقصه أمام كماله . فيبعده بذلك عن حالة العجب ، والرياء والغرور ، ليكون بذلك أبعد عن الشرك ، الذي هو أخفى فيه من دبيب النمل ، كما جاء في الروايات الشريفة . . لأنَّ هذه العاهات : العجب والرياء والغرور ، تجعله يشعر باستغنائه عن الله تعالى ، وتدفع به إلى الاعتقاد بأن ما لديه من خصائص ومزايا وكمالات ، إنما هو من الأمور الذاتية له ، تماماً كما قال قارون : * ( إِنَّمَا أوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) * ( 1 ) . فهو يشعر أنه ليس بحاجة إلى الله سبحانه ، لأن لديه القدرات التي تمكِّنه من التأثير في الأشياء . فلماذا يخضع لله ، ويجهد نفسه في عبادته ، ويأخذ نفسه بتنفيذ أوامره ونواهيه ؟ ! ولا شك في أن هذه حالة من الشرك الكامن في عمق ذاته ، وهي من أهم أسباب رده إلى أسفل سافلين ، وأن يكون في خُسر مستمر . . فالامتنان من الله هداية وتفضّل يعيد الإنسان إلى الارتباط بمصدر الفيض الحقيقي . . فيصحو بعد غفلة , ويعلمه بضعفه بعد جهل , ويوحّد

--> ( 1 ) سورة القصص الآية 78 .