السيد جعفر مرتضى العاملي
139
تفسير سورة هل أتى
فأولاً : إن الباء في مثل هذه المواضع يفهم منها أن في مدخولها معنى الآلة والوسيلة لإيصال الشارب إلى مشروبه ، وذلك معناه : أن الوسيلة والآلة شيء ، وما يراد التوسل بها إليه ليس موجوداً فيها بالفعل ، بل هي فاقدة له ، مع أن كلمة « كأس » تشير إلى حصول الامتلاء لها ، وأن ما يريده الشارب موجود فيها فعلاً . فالإتيان بالباء لا يصلح هنا ، إذ قد يتوهم من الباء ، ما يتنافى مع إرادة التطمين بوجود المقصود كما أشرنا . . وثانياً : إن كلمة « من » تفيد التبعيض ، ففيها إيحاء ، بأن المشروب لن ينفد من ذلك الكأس ، بسبب الشرب منه ، مهما تعدد هذا الشرب ، أو تواصل . . فهي دائمة الاتصاف بكونها كأساً . . ودائمة الاحتواء على ما يشرب ، ما دام أن ما يشرب هو بعض ما فيها ، حسبما أفادته كلمة « من » التبعيضية . . « كَانَ مِزَاجُهَا » : أما لماذا جاء بكلمة « كَانَ » في قوله * ( كَأسَاً كَانَ مِزَاجُهَا ) * ، مع أنه كان يمكن أن يقول : « كأساً مزاجها » . فقد يقال : إن السبب فيه هو أن تصير كلمة « كافوراً » منصوبة ، مراعاة للناحية الجمالية ، الناشئة عن التناسق الظاهر من رعاية القافية في الآيات السابقة واللاحقة . . غير أننا نقول : إننا لا نمانع في أن تكون الناحية الجمالية مقصودة أيضاً ، لما لذلك من تأثير في الراحة النفسية للقارئ والسامع ، ولغير ذلك . . ولكن ليس ذلك هو كل السبب ، إذ لعل السبب الأولى والأهم هو