محمد عزة دروزة
616
التفسير الحديث
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلَّه . وصفة أصحابه ومؤيديه هي أنهم أشداء عنفاء على الكفار بينما هم رحماء ليّنون مع بعضهم . لا يهملون عبادة اللَّه ، حيث تراهم ركّعا سجّدا . يبتغون بذلك فضل اللَّه ورضوانه . وآثار السجود في وجوههم بادية . وهذه هي صفة المؤمنين الصالحين التي ذكرت في التوراة والإنجيل . وأنهم لكالزرع الذي نبت لينا ثم قوي فغلظت سوقه فأثمر أحسن الثمر وأكثره مما يعجب الزراع ويرضيهم . وإن اللَّه قد يسّرهم إلى ما يسّر وحلَّاهم بما حلاهم به ليغيظ بهم الكفار أيضا . وإن اللَّه قد وعد الذين آمنوا فحسن إيمانهم ووثقوا به فحسن وثوقهم وعملوا الصالحات بمغفرته وعظيم أجره . ولقد جاءت الآية خاتمة قوية للسورة التي يتضح من الإمعان فيها ترابط آياتها . وكون هدفها الرئيسي هو تثبيت المسلمين وتسكينهم إزاء ما كان من ظروف ونتائج سفرة الحديبية على النحو الذي شرحناه في سياق الآيات . وفي الآية صورة رائعة لما كان عليه أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من ورع وتقوى وعبادة وأخلاق كريمة سمحاء فيما بينهم ، مع الشدّة والقوة والبسالة بالنسبة لأعدائهم . ومثل هذه الصورة تكررت في سور عديدة مكية ومدنية ممّا نبهنا عليه في مناسباته ومما فيه دلالة على ما كان من أثر دعوة اللَّه وقرآنه ونبيه في هذه الفئة التي صارت بذلك مثالا نموذجيا خالدا . ولقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وقتادة وعكرمة تأويلات أخرى لجملة * ( ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَه فَآزَرَه فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِه ) * من ذلك أن الكلام يتم عند جملة * ( ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ) * فتكون الصفات السابقة لها هي مثلهم وصفاتهم في التوراة وتكون جملة * ( ومَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ . . . ) * إلى آخر الجملة مستأنفة فتكون الصفات المذكورة فيها هي صفاتهم في الإنجيل . ورووا بسبيل ذلك عن ابن عباس قوله « إن نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن تخلق السماوات والأرض » وعن قتادة قوله « إنه مكتوب في الإنجيل : يخرج قوم ينبتون نبات الزرع فيكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون يأمرون