محمد عزة دروزة

564

التفسير الحديث

كله ، أتى هنا لأول مرة . وقد تكرر بعد هذا مرتين . واحدة في سورة الفتح التي يقع ترتيبها بعد هذه السورة وأخرى في سورة التوبة بنص قريب لنص آيات الصف . وبالإضافة إلى ما في الآيات من قصد تدعيم موقف النبي صلى اللَّه عليه وسلم من الدعوة إلى الجهاد والتنديد بالذين يقولون ما لا يفعلون وهو القصد القريب المباشر واللَّه أعلم ، وبالإضافة إلى ما فيها من تحدّ مطلق للكافرين والمشركين ، وإيذان بوعد اللَّه تعالى بإظهار الدين الذي أرسل به محمدا صلى اللَّه عليه وسلم على الدين كله فإن جملة * ( بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ ) * تنطوي على تقرير ما في الرسالة المحمدية من هدى وحقّ يتمثلان في ما احتواه القرآن الكريم والسنن النبوية الشريفة من مبادئ وقواعد وتشريعات ووصايا وتنبهات وتلقينات وتوجيهات ومعالجات وأوامر ونواه إيمانية واجتماعية وسياسية واقتصادية وأسرية ( الأسرة ) وسلوكية وشخصية وتبشيرية وروحية من شأنها ضمان السعادة العظمى للبشرية في الدنيا والآخرة على أهم وجه وأوسعه وأفضله . ولقد دعا هذا الدين إلى اللَّه وحده المتصف بجميع صفات الكمال المنزه عن كل نقص ومماثلة . وقرر ربوبيته للعالمين جميعا دون اختصاص ، واستغناءه وتنزّهه عن الشريك والمساعد والولد بأي معنى كان وسواء أكان ذلك تأويلا أم وسيلة أم شفاعة . وحارب بكل قوته ودونما هوادة كل أنواع ومظاهر الشرك التي تمثل انحطاط الإنسانية وتسخيرها لقوى وأفكار وعقائد سخيفة مغايرة للعقل والمنطق والحق وممثلة لنظام جاهلي فيه تقاليد وعادات منكرة وعصبيات ممقوتة . وهدف إلى القضاء على ما طرأ على الديانات السماوية وبخاصة على الديانتين المعروفة يقينا مصدريتهما من اللَّه الممارستين أي اليهودية والنصرانية من سوء تأويل وانحراف وانقسام واختلاف وتهاتر . وإلى تحرير الإنسانية من الخضوع لأية قوة خفية وظاهرة غير اللَّه . وفتح آفاق الحياة للمؤمنين بهذا الدين على مصراعيها في نطاق أسمى المبادئ وأكرم الأخلاق وأفضل المناهج والخطط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفردية والإنسانية وأشدها مرونة للنهوض إلى ذرى الكمال في كل مجال من مجالات الحياة وتوجيهها نحو أحسن السبل وأشرفها وأنزهها وأعدلها وأتمّها صفاء وسناء شاملة للناس جميعهم