محمد عزة دروزة

558

التفسير الحديث

أحبّ الأعمال إلى اللَّه لعملنا به فدلَّهم اللَّه على أحبّ الأعمال إليه فقال : * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِه صَفًّا ) * فبيّن لهم فابتلوا بيوم أحد بذلك فولَّوا عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم مدبرين فأنزل اللَّه * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ‹ 2 › ) * . والرواية الأخيرة عجيبة لأنها تجعل نزول الآية الثالثة مقدما على نزول الآية الثانية . والتنديد الشديد في الآيات يدل كما هو ظاهر على أنها في صدد جماعة كانوا يعدون بالجهاد ثم يخلفون . وهذا متسق مع بعض الروايات . ولقد حكت آيات عديدة في سور آل عمران والأحزاب والنساء والنور مثل ذلك عن المنافقين . وفي سورة الأحزاب آية صريحة في ذلك ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّه مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّه مَسْؤُلًا ‹ 15 › أن المقصود في الآيات منهم . وفي سورة النور آية صريحة أخرى وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ‹ 53 › . وشدة التنديد تدل على أن موقف المندد بهم كان مثيرا للمقت والسخط إما بتكرره وإما في ظروفه . وهذا لا يكون على الأرجح إلَّا من المنافقين . ولعل الآيات تنطوي على تقرير كون هذا الموقف مما آلم النبي صلى اللَّه عليه وسلم وآذاه . وقد يكون في الآيات التالية التي تذكر بمواقف قوم موسى المؤذية من نبيهم رغم اعترافهم بنبوته وتندد بهم وتصفهم بالفسق والانحراف ، قرينة على ذلك . واللَّه أعلم . وأسلوب الآيات عام . وتلقينها مستمر المدى لجميع المسلمين في كل ظرف ومكان . وقوة الآيات تهزّ النفس هزا شديدا سواء بإيذانها بمحبة اللَّه للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص أم بشدّة مقت اللَّه للذين يقولون ما لا يفعلون ، وفي القرآن آيات كثيرة جدا في الأمرين أي في التنديد بالمتثاقلين عن الجهاد المثبطين عنه المخلفين بوعودهم به والتنويه بالذين يقاتلون بصدق وإخلاص . وقد جاء كثير منها في سور سبق تفسيرها . ومنها ما جاء في سور نزلت بعد هذه السورة حيث يدل كل ذلك على ما أعاره القرآن الكريم من عناية عظمى لهذا الركن العظيم