محمد عزة دروزة
553
التفسير الحديث
والآيات بهذا التعميم والإطلاق مستمرة التلقين والمدى من جميع النواحي بالنسبة لجميع المسلمين في كل ظرف ومكان في المناسبات والمواقف المماثلة . وواضح من الشرح والمناسبات المروية أن جملة * ( عَدُوًّا لَكُمْ ) * قد جاءت للتشبيه وتشديد التحذير من التأثر وشدة الشغف بالأزواج والأولاد إلى المدى الذي يشغل المسلم عن واجبه نحو اللَّه ودينه وخلقه أو يجعله يرتكب إثما ومعصية . فلا يصح أخذها على غير هذا المدى . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا رواه الحافظ البزار عن أبي سعيد قال « قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الولد ثمرة القلوب . وإنهم مجبنة مبخلة محزنة » حيث ينطوي في الحديث تقرير لواقع الأمر والتطابق مع الآيات من حيث كون الأولاد قرة عين ولكنهم يكونون أحيانا من أسباب جبن الآباء وبخلهم ودواعي الحزن لهم . وقد أورد المفسر حديثا آخر رواه الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال « قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ليس عدوّك الذي إن قتلته كان فوزا لك وإن قتلك دخلت الجنة . ولكن الذي لعلَّه عدوّ لك ولدك الذي خرج من صلبك ثم أعدى عدوّ لك مالك « والحديث مما تضمنت الآيات تقريره وهدفت إلى التحذير منه كما هو المتبادر . ولقد قال بعض المفسرين : إن في الآية * ( فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ ) * تخفيفا عن المسلمين ونسخا لآية آل عمران هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِه [ 102 ] . ورووا عن سعيد بن جبير ومقاتل والسدي أن المسلمين لما نزلت آية آل عمران اشتدوا في العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرّحت جباههم - يعني من كثرة الصلاة - فأنزل اللَّه هذه الآية تخفيفا عنهم ( 1 ) . وقال بعضهم إنها غير ناسخة وإن حكم الآيتين محكم في الحالات المختلفة ولا تنافي بينها ( 2 ) . ونحن نرى هذا هو الأوجه إن شاء اللَّه . لأن تقوى اللَّه حقّ تقاته لا تتضمن تحميلا للمسلم ما ليس له به
--> ( 1 ) انظر البغوي والخازن وابن كثير والرواية وردت في ابن كثير . ( 2 ) انظر الطبرسي .