محمد عزة دروزة

527

التفسير الحديث

ما جاء في نفس السورة . وجاء في وصف السابقين ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ‹ 13 › وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ‹ 14 › وفي وصف أصحاب الميمنة ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ‹ 39 › وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ‹ 40 › . وعلى ضوء هذا قد يصح أن يقال واللَّه أعلم إن في الآيات خطة شرعية سياسية مستمرة المدى . وهي قبول ظواهر الناس وتوسيع الدولة الإسلامية صدرها لمن يعلن إسلامه ويظهر انقياده وطاعته ويقوم بما يترتب عليه من واجبات نحو اللَّه والدولة والناس ، واعتباره من رعاياها المسلمين بقطع النظر عما إذا كان مؤمن القلب أم لا . لأن ذلك مغيب عن غير اللَّه عز وجل . وليس من شأن الدولة والناس أن يشقوا عن قلوب أمثاله ليتبينوا صدق إيمانه على حدّ تعبير رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في الحديث المروي عنه في سياق آية النساء هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا . . . [ 94 ] حيث قال لمن قتل القائل حينما قال له إنه كان كاذبا في قوله « هلا شققت عن قلبه » ( 1 ) على ما شرحناه في سياق تفسير هذه الآية . ويحسن أن ننبه على أمر هام في هذا الصدد وهو أن من الأعراب الذين كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقبل منهم ظواهرهم الإسلامية بناء على تلقينات القرآن من صار مخلصا في إيمانه وعمله على ما سجلته آية سورة التوبة هذه ومِنَ الأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّه وصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّه فِي رَحْمَتِه إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ‹ 99 › . وقد جاءت هذه الآية بعد آيتين ذكر فيهما حالة الأعراب بصورة عامة الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفاقاً وأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّه عَلى رَسُولِه واللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‹ 97 › ومِنَ الأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ التوبة : 97 - 98 ] . حيث تبدو خلال ذلك روعة الحكمة القرآنية فيما

--> ( 1 ) انظر تفسير الخازن وابن كثير .