محمد عزة دروزة
516
التفسير الحديث
ومع احتمال حدوث مناسبة مثل المناسبة المروية فإن الاتصال والتساوق والتجانس بينها وبين آيات السورة قائم . وما قلناه في صدد سابقاتها من كون المناسبات قد حدثت قبل نزول السورة ، فكانت وسيلة لما احتوته من تأديب وتعليم يقال هنا أيضا . ولقد استهدفت الآية تنبيه المسلمين إلى وجوب رعاية حقوق بعضهم وأعراضهم في الغياب وتغليب حسن الظن في بعضهم وكبت غريزة الاستطلاع والتجسس على أسرار بعضهم ومخفياتهم . وتلقينها عام مستمر المدى كسابقاتها . وتعبير * ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيه مَيْتاً ) * تعبير قوي لاذع بسبيل تعظيم إثم غيبة الناس واستنكارها . وهكذا تتكامل سلسلة التأديبات الرفيعة ليكون المسلمون بها مثال مكارم الأخلاق منزهين عن سيئاتها ومكروهاتها الخاصة والعامة . ولقد أورد المفسرون في سياق الآية أحاديث نبوية عديدة قوية التلقين والعظة في صدد منهياتها . منها حديث أخرجه ابن ماجة عن عبد اللَّه بن عمر قال « رأيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك . والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند اللَّه تعالى حرمة منك ماله ودمه وأن يظنّ به إلَّا خيرا » ( 1 ) وحديث رواه البخاري وأبو داود جاء فيه « إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللَّه إخوانا » ( 2 ) . وحديث رواه أبو داود عن معاوية قال « سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول إنك إن اتبعت عورات الناس
--> ( 1 ) النصوص من تفسير ابن كثير وقد أورد المفسر الحديث الأخير بصيغ أخرى ومن طرق أخرى مع خلاف يسير عن البراء بن عازب وعن نافع وابن عمر والمرجح أن الظن الذي وصفه الحديث الثاني بأكذب الحديث هو سوء الظن بالناس وليس الظن إطلاقا . والحديث الثاني رواه البخاري وأبو داود ( انظر التاج / 5 ص 25 ) والحديثان الثالث والرابع رواهما أبو داود والترمذي ( انظر المصدر نفسه ص 28 ) . ( 2 ) المصدر نفسه .