محمد عزة دروزة
502
التفسير الحديث
ارتدوا عن الإسلام وأرادوا قتلي مع أنهم رجعوا ، وسلموه صدقاتهم وإن كان بينه وبينهم إحنة في الجاهلية فأراد أن يضربهم بما قاله عنهم . وإن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أرسل خالد بن الوليد ينظر في أمرهم وينكل بهم وأوصاه بالتثبيت وعدم التعجل . فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه فرجعوا فأخبروه أن الجماعة متمسكون بالإسلام وأنهم سمعوا أذانهم وصلاتهم . فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي أعجبه فرجع إلى رسول اللَّه فأخبره الخبر فأنزل اللَّه الآية . والروايات لم ترد في كتب الأحاديث المعتبرة والذي نلحظه أن الآيات نعتت المخبر بالفاسق . ويصعب أن يصدق هذا على رسول وثق به النبي صلى اللَّه عليه وسلم . ولا سيما أنه من المهاجرين وابن رجل كان شديد المناوأة للنبي فانفصل عن أبيه والتحق بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم . ومهما يكن من أمر فالآيات تلهم أنها نزلت في حادث ما أخبر به مخبر غير موثوق به لو صدّقه النبي صلى اللَّه عليه وسلم والمسلمون لترتب عليه ظلم أناس أبرياء . على أن الإطلاق في الآية الأولى أولا ومجيئها بعد الآيات التأديبية والتعليمية السابقة ثانيا يجعل من المحتمل أن يكون بينها وبين سابقاتها صلة نزول ووحدة سياق ، ويسوّغ التخمين أن الحادث قد وقع قبل نزول السورة فكان وسيلة للتنبيه والتحذير في سياق فصول التعليم والتأديب التي احتوتها السورة . والآيات تحتوي بطبيعة الحال تعليما وتأديبا عامين مستمري التلقين والشمول وذوي خطورة عظيمة أخلاقية واجتماعية لا تخفى . ولعل في الآيتين الثانية والثالثة توكيدا لهذه الخطورة وتلقينها . لأن التثبت يكون أوجب وأوكد في الظروف التي لا يكون فيها نبي مشمول برعاية اللَّه تعالى وتسديده وإلهامه ووحيه ، وذو نفوذ روحي عظيم على أتباعه . ولقد روى الترمذي « أن أبا سعيد الخدري قرأ * ( واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) * ثم قال هذا نبيكم يوحى إليه وأخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتم فكيف بكم اليوم » ( 1 ) مما فيه تدعيم
--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 215 .