محمد عزة دروزة
49
التفسير الحديث
تعليق على الآية * ( واللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ) * والآيات الثلاث التالية لها ولم نطلع على رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات . ويلحظ شيء من التناسب الموضوعي بين هذه الآيات وما بعدها من الآيات المتصلة بمعاملة النساء والأنكحة المحرمة والمحللة وبين الآيات السابقة ، بحيث يرد في البال أنها استمرار في التشريعات المتصلة بهذا الموضوع . وأنها نزلت بعدها . ولقد احتوى القرآن المكي تقبيحا وزجرا عن الزنا ووعيدا للزناة وعدّ ذلك من الفواحش الكبرى على ما جاء في آيات سورة الفرقان [ 68 - 69 ] والإسراء [ 32 ] . وهو الأسلوب المتسق مع ظروف العهد المكي . فجاءت هذه الآيات بأسلوب تشريعي لأن ذلك صار ممكنا في العهد المدني . ومع ذلك فإن التشريع في الآيات هو خطوة أولى . وقد جاءت الخطوة الثانية في الآيات الأولى من سورة النور وفي بعض الأحاديث النبوية على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسير هذه السورة . ويلحظ أن عقوبة الزنا في الخطوة التشريعية الأولى اقتصرت بالنسبة للرجال الذين عبر عنهم بكلمة * ( والَّذانِ ) * على ما رجحناه على جملة * ( فَآذُوهُما ) * وبالنسبة للنساء على جملة * ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ) * وقد قال المفسرون عزوا إلى ابن عباس وغيره إن * ( فَآذُوهُما ) * بمعنى التعيير والضرب والتوبيخ . وإن حكمة استبقاء النساء في البيوت هي عدم تعريضهن للفاحشة ثانية بالبروز للرجال ( 1 ) . وهذا مما يتسق مع روح الآيات . مع التنبيه على أن أقوال المفسرين لا تفيد أن إمساك النساء في البيوت هو عقوبة . في حين أنه في الحقيقة عقوبة شديدة لأنه سجن أبدي حتى الموت أو يجعل اللَّه لهن سبيلا . وكل من العقوبتين متناسبة على ما هو المتبادر مع طبيعة كل من الرجل
--> ( 1 ) انظر الخازن وابن كثير والطبري .