محمد عزة دروزة
477
التفسير الحديث
المسلمة كانت في حالة عقلية وشخصية تجعلها تقف مثل هذا الموقف . وفي القرآن والآثار أدلة كثيرة مؤيدة . وقد مرّت أمثلة منها في المناسبات السابقة . إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّه ورَسُولَه كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ‹ 5 › يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّه جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاه اللَّه ونَسُوه واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‹ 6 › . « 1 » يحادّون : يشاقّون ويعادون . « 2 » كبتوا : ذلوا وخزوا وأهلكوا . عبارة الآيتين واضحة . وفيهما تقرير إنذاري وتنديدي بالذين يشاقون اللَّه ورسوله : فهؤلاء مصيرهم إلى الذل والخزي والهلاك كما كان مصير أمثالهم من قبلهم . واللَّه إنما ينزل آياته واضحات ليتعظ الناس بها والكافرون هم الذين لا يتعظون بها . فلهم عند اللَّه العذاب الأليم . ولسوف يبعثهم جميعا إليه وينبئهم بأعمالهم فيرونها محصاة عليهم في حين قد يكونون هم أنفسهم نسوها وذهلوا عنها . لأن اللَّه لا يخفى عليه شيء . وهو شهيد ومطلع على كل شيء . ولم نطلع على رواية في صدد نزول الآيتين . وهناك احتمالان : الأول أن تكونا معقبتين على السياق السابق الذي انتهى بتقرير كون ما جاء فيه هو حدود اللَّه وبإنذار الكافرين بعذاب أليم . والثاني أن تكونا بداية ومقدمة للسياق الآتي الذي احتوى تنديدا بفريق من المتظاهرين بالإسلام كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول . وكلا الاحتمالين وارد بنفس القوة . فإذا صح الاحتمال الأول تكون الصلة قائمة بين الآيتين وما سبقها . وفي حالة صحة الاحتمال الثاني فمن المحتمل أن تكون الآيات نزلت عقب الآيات السابقة فوضعت بعدها في السورة . وإلَّا فتكون وضعت بعدها لما يجمع بينها وبين سابقها من إنذار الكافرين . واللَّه أعلم .