محمد عزة دروزة
465
التفسير الحديث
« 2 » وحثّ لهم على الإنفاق في سبيله وهم في سعة من الوقت والعمر . وقبل أن يداهمهم الموت فيندموا ويتمنوا على اللَّه أن يؤخر أجلهم حتى يتصدقوا ويكونوا من الصالحين . « 3 » وتنبيه لهم بأن الندم والتمني لن يجدياهم شيئا لأن اللَّه لن يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ، وإنه لخبير بنواياهم وأعمالهم . ولم نطلع على رواية خاصة في نزول الآيات . ومع أن عبارتها مطلقة . وتبدو أنها فصل جديد . فإننا نرجح أنها متصلة بالآيات السابقة اتصال تعقيب والتفات ، لتلقين المؤمنين المخلصين ما هو الأمثل لهم ، والأحرى بهم في مناسبة ذكر مواقف المنافقين البغيضة ، وزجرهم وتقريعهم ولا سيما أن دعوة المنافقين إلى عدم الإنفاق على من عند رسول اللَّه التي حكتها تلك الآيات هي دعوة إلى أقاربهم وذوي رحمهم وعشيرتهم من الأنصار . ومعظمهم كانوا مخلصين في إيمانهم باللَّه ورسوله . والآيات في حدّ ذاتها جملة تامة . وأسلوبها قوي نافذ إلى القلوب والعقول . وهي مطلقة التوجيه فيكون ما فيها من أمر ونهي وتحذير شاملا لكل المسلمين في كل مكان ليكون ذلك خطتهم المثلى التي يسيرون عليها . وأسلوب الآيات وفحواها يجعلاننا نقول هنا ما قلناه في مناسبات سابقة مماثلة وبخاصة في سياق الآية [ 37 ] من السورة السابقة التي فيها تنويه بالذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة . وهو أن ما فيها من تحذير ونهي منصبان على الاستغراق في حبّ الأموال والأولاد استغراقا يؤدي إلى التقصير في واجب ذكر اللَّه والإنفاق في سبيله . وليس على الاشتغال بالتجارة وكسب المال والاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا والأولاد . فهذا مما أباحه القرآن للمسلمين في مواضع كثيرة صراحة وضمنا على ما نبهنا عليه في نطاق الاعتدال والقصد وعدم التقصير في الواجبات . ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآيات رواية عن ابن عباس تفيد أن هذه