محمد عزة دروزة
350
التفسير الحديث
وهكذا تكون الآيات احتوت تقريرا واضحا للدعوة النبوية . وحجة جدلية دامغة على الذين يطلبون البرهان من النبي على صحة دعوته . فدعوته هي إلى عبادة اللَّه وحده والإخلاص له والصلاة إليه ومساعدة المحتاجين بالزكاة . ولا يطلب البرهان على صحة هذه الدعوة ويكفر بها إلا سئ النية خبيث الطوية . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ‹ 6 › إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‹ 7 › جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْه ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ‹ 8 › . الآيات معقبة على الآيات السابقة كما هو المتبادر . وقد تضمنت تنديدا لاذعا بالذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين وتنويها وبشرى عظيمة للذين آمنوا ووصفا لهم بأنهم خير خلق اللَّه مقابل وصف الأولين بأنهم شرّ خلق اللَّه . وتنبيها بأن ما احتوته الآيات هو لتذكير الذين يخافون اللَّه ويحسبون حسابه . ووصف الأولين مستمد من موقفهم الجحودي الذي كشفوا به عن سوء نيتهم وخبث طويتهم لأنهم جحدوا بما جاءهم وكانوا يتمنونه . وفي الآية الأولى دليل آخر جديد على أن الذين يكفرون برسالة النبي محمد من أهل الكتاب لا ينجيهم يوم القيامة لكونهم مؤمنين بكتبهم ورسالات أنبيائهم حتى ولو لم يكونوا منحرفين ومحرفين وهو ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة . وهناك حديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهوديّ ولا نصرانيّ ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلَّا كان من أصحاب النار » ( 1 ) مما فيه مصداق لهذا من وجهة النظر الإسلامية .
--> ( 1 ) التاج ج 1 ص 30 .