محمد عزة دروزة
293
التفسير الحديث
وتصل بهم الجرأة والصفاقة إلى القول إن عقيدة التوحيد الإسلامية الصافية الخالية من كل تعقيد وشائبة هي بدائية تتناسب مع العرب البدائيين الذين جاء الإسلام إليهم ( 1 ) . في حين أن عقيدة التثليث فيها معان فلسفية رفيعة تتناسب مع الأمم المتحضرة المثقفة التي انبعثت فيها النصرانية على ما قرأناه في رسالة نشرها مبشر اسمه موفق سعيد وفي كتب كتبها مبشر سمّى نفسه الأستاذ حداد اللذان قالا فيما قالاه إن الذين نعتهم القرآن بالكفر من النصارى هم نصارى العرب الذين حرفوا العقيدة النصرانية الفلسفية السامية ولم يفهموها . ولقد وقع كلاهما في تناقض مضحك حيث أرادوا تشبيه التثليث النصراني بمدى الآية القرآنية اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ على اعتبار أن تعدد الأقانيم هو تعدد صفات لإله واحد وهذه الجملة هي عنوان من عناوين التوحيد الإسلامي الذي نعتوه بالبدائية . وهذه المزاعم متهافتة لا تكاد تتحمل تفنيدا . وقد تكفل القرآن بالرد على كل ذلك . وقد ألممنا بهذه المسألة في كتابنا ( القرآن والمبشرون ) ووضعناها في نصابها الحق بتوفيق اللَّه فنكتفي بهذه الإشارة أيضا . يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ‹ 174 › فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه واعْتَصَمُوا بِه فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْه وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إِلَيْه صِراطاً مُسْتَقِيماً ‹ 175 › . عبارة الآيتين واضحة وفيها هتاف للمرة الثانية موجّه للناس أن قد جاءهم برهان من اللَّه ونور واضح على لسان رسوله . فلم يبق شيء غامض من حقائق ما يجب عليهم أن يسيروا فيه من سبيل الحق . وفيها بشرى للذين آمنوا باللَّه
--> ( 1 ) في هذا تجاهل وغباء آخر لأن في القرآن آيات كثيرة صريحة وقطعية بأن الإسلام جاء إلى الناس كافة من مختلف الأجناس والأديان وإلى أهل الكتاب نصا . وفيه آيات بأن اللَّه سيظهره على الدين كله وقد اعتنقه ناس من مختلف الأجناس والألوان والأديان في حياة النبي واستمر بعده كذلك ومن جملتهم أهل كتاب فسقطت حجة كل مكابر .