محمد عزة دروزة

278

التفسير الحديث

الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلَّا اتباع الظن ) تفيد أن هذا الأمر لم يكن من المسلمات في زمن نزول القرآن بل كان مثار جدل وشك بين الناس وبين النصارى في الجملة . والمدونات القديمة مؤيدة لذلك . وإذا كانت الأناجيل المعترف بها المتداولة مجمعة على ذلك فلا يعني هذا أنه لم يكن أناجيل وأسفار مناقضة لذلك فبادت أو أبيدت . والقرآن بعد لا ينفي الصلب والقتل وإنما ينفيهما عن شخص المسيح مع إلهامه بإيقاعهما على شبيه له . وقد يكون هذا هو أصل التواتر المسيحي ولا يصح أن يكون حجة ضد تقرير القرآن كما هو المتبادر . والروايات تذكر مسألة التشبيه للمسيح على ما شرحناه قبل . وقد حاول مبشر نصراني سمّى نفسه الأستاذ حداد في كتاب له عنوانه ( القرآن والكتاب ) تأويل العبارة القرآنية * ( وما قَتَلُوه وما صَلَبُوه ولكِنْ شُبِّه لَهُمْ ) * بما يتفق مع العقيدة النصرانية فقال إنها إنما تنفي كون اليهود قتلوه بمعنى أماتوه وأعدموا وجوده بالمرة وإن هذا هو الذي شبّه لهم أنهم فعلوه ولم يفعلوه . وفي هذا تمحل وتعسف . فالمؤولون والمفسرون بدون خلاف أولوا وفسروا الجملة القرآنية بالصلب والقتل فعلا اللذين ينفيهما القرآن وأولوا جملة * ( شُبِّه لَهُمْ ) * بأن المقصود منها المسيح . والمدونات والروايات القديمة تؤيد هذا التفسير والتأويل على ما شرحناه آنفا . ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون ( 1 ) عن أهل التأويل من الصدر الأول كابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وغيرهم لجملة * ( وما قَتَلُوه يَقِيناً بَلْ رَفَعَه اللَّه إِلَيْه ) * للتوفيق بينها وبين آية آل عمران [ 55 ] التي تذكر أن اللَّه رافعه إليه بعد توفّيه يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ولقد علقنا على هذه المسألة في تفسير آية آل عمران . وإذا كان من شيء نقوله هنا فهو أن العبارة القرآنية في آية النساء التي نحن في صددها لا تتناقض مع آية آل عمران كما هو المتبادر لنا .

--> ( 1 ) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والزمخشري والخازن وغيرهم .