محمد عزة دروزة

237

التفسير الحديث

لزوم سبيل المسلمين وعدم الشذوذ عنها . من ذلك حديث رواه أبو داود عن أبي ذرّ عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » ( 1 ) ومن ذلك ثلاثة أحاديث رواها الطبراني أحدها عن ابن عمر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « لن تجتمع أمتي على ضلالة فعليكم بالجماعة فإنّ يد اللَّه على الجماعة » ( 2 ) وثانيها عن أسامة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « يد اللَّه على الجماعة فإذا شذّ الشاذّ منهم اختطفه الشيطان كما تختطف الذئب الشاة من الغنم » وثالثها عن ابن مسعود عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « عليك بتقوى اللَّه والجماعة وإياك والفرقة فإنها هي الضلالة وإنّ اللَّه لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة » ( 3 ) . والآية الثانية جديرة بالتأمل من وجهة أخرى أي من وجهة كون الإنذار فيها موجها إلى الذين يشاقون الرسول ويشذون عن سبيل المسلمين عن عمد وبينة . بحيث يرد على البال أنه لا يشمل من يفعل عن جهالة وعماء . على أن من الحق أن يقال إن على الذين لا يعرفون وجه الحق والهدى في أمر ما يجب عليهم للنجاة من الإنذار أن يسألوا أهل العلم فيه . ولهم أن يطلبوا البرهان على ما يقولونه لهم وإن الذين لا يفعلون ذلك ويفضلون البقاء على ما هم عليه من جهالة وعماء وعدم تبين وجه الحق والهدى يدخلون في شمول الإنذار أيضا . ولقد أوّل بعضهم تعبير * ( سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) * في الآية الثانية بأنه الإيمان باللَّه ورسوله والتزام أوامرهما ونواهيهما . وأوله بعضهم بأنه ما اتفق عليه جمهور المسلمين من حق ومصلحة . والتعبير يتحمل التأويلين بل ليس بينهما تعارض . والآية التي جاء فيها التعبير وإن كانت متصلة بعهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وسيرته فإنها مستمرة التلقين للمسلمين بعده ، شأن أمثالها الكثيرة بحيث تكون قد انطوت على الإنذار الرهيب لمن يشذ ويسير في طريق غير طريق كتاب اللَّه وسنة رسوله وصالح المسلمين .

--> ( 1 ) التاج ج 5 ص 280 . ( 2 ) مجمع الزوائد ج 5 ص 218 و 219 . ( 3 ) المصدر نفسه .