محمد عزة دروزة
233
التفسير الحديث
من صور أخلاق أصحاب رسول اللَّه ودلالة على أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يحكم فيما يرفع إليه من خلاف بالاجتهاد بعد أن يسمع لقول الطرفين . ولقد وقف بعض المتكلمين عند أمر اللَّه تعالى النبي بالاستغفار في الآية [ 106 ] وقالوا بجواز وقوع الذنب منه . لأن الاستغفار إنما يكون عن ذنب . ورد عليهم مخالفوهم فقالوا إن النبي لم يقع منه ذنب وإن موقفه في الحادث إنما كان موقف القاضي الذي قد يخدع بالأيمان وتزويق الكلام وشهادة الزور وإن أمر اللَّه إياه بالاستغفار هو لأنه أوشك أن يقع منه خطأ في القضاء فيحكم على البريء ويبرئ المتهم نتيجة لذلك . وأن هذا ليس ذنبا ( 1 ) . وفي هذا ما هو ظاهر من صواب ووجاهة وحق . فقد عصم اللَّه تعالى نبيه من الذنب والمعصية وكل ما يجوز أن يصدر منه اجتهاد في أمر لا يكون هو الأولى والأصح في علم اللَّه فيعاتب عليه وينبه إلى ما هو الأولى . وقد مرّ من ذلك بعض الأمثلة في سور عبس والأحزاب والأنفال . وأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالاستغفار لا يأتي هنا لأول مرة . فقد جاء في سور عديدة سبق تفسيرها وعلقنا على الموضوع بصورة عامة في سياق آية سورة غافر [ 55 ] التي هي أولى الآيات التي ورد فيها وأوردنا من بعض الأحاديث المروية في ذلك فنكتفي بهذا التنبيه . ونصّ الآية [ 110 ] جدير بالتنويه لما فيه من دعوة المذنبين المسيئين إلى الاستغفار وتأميل لهم بغفران اللَّه إذا استغفروا أي تابوا وطلبوا الغفران من اللَّه . وينطوي في هذا هدف سام من أهداف الإسلام وهو استغفار الإنسان وصلاحه . وقد شرحنا هذا في سياق شرحنا مدى الاستغفار والتوبة . في سورتي المزّمل والبروج فنكتفي بهذا التنبيه أيضا . ولقد توقف بعض المفسرين والأصوليين عند الفقرة الأولى من الآية الأولى لأنه ليس في القرآن شيء صريح محدد في الحادث الذي نزلت فيه الآيات . فهناك
--> ( 1 ) انظر تفسير الخازن .