محمد عزة دروزة

214

التفسير الحديث

إلى القاعدين من المؤمنين لأسباب مقبولة فيها تطمين لهم بسبب ما يعرف من إخلاصهم . وفي هذا كذلك تلقين مستمر المدى في صدد من يعرف منه الإخلاص وحسن النية وصدق الطوية ولو لم يشترك اشتراكا فعليا في الحركات الجهادية لأسباب مقبولة . ولقد روى البخاري ومسلم والترمذي عن أنس حديثا جاء فيه « إنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان في غزاة فقال إنّ أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلَّا وهم معنا فيه حبسهم العذر » ( 1 ) حيث ينطوي في الحديث توضيح وتدعيم . ومع ذلك فإنه يتبادر لنا أنه يصحّ أن يضاف إلى ما قلناه أن تكون الآيتان احتوتا أيضا بيانا في حالة المؤمنين المخلصين إزاء الجهاد إذا كان الظرف لا يقتضي أن ينفروا جميعهم فيندب بعضهم أو ينفر بعضهم دون بعض فغير المنتدبين أو غير النافرين في هذه الحالة ليسوا موضع تثريب وسخط ربانيين بل هم والمنتدبون أو النافرون معا موضع وعد اللَّه الحسنى الذي وعد به كل مؤمن مخلص . غير أن المنتدبين والنافرين يظلون على كل حال أفضل عند اللَّه وأعظم أجرا ، وفي هذا ما فيه من حثّ قوي على النفرة إلى الجهاد والتسابق إليه . هذا ونرى أن نلفت النظر إلى حديث ابن أم مكتوم من حيث انطواؤه على مشهد من مشاهد التنزيل القرآني من جهة وعلى دليل على تدوين القرآن فورا حين نزوله من جهة أخرى . إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّه واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيراً ‹ 97 › إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ‹ 98 › فَأُولئِكَ عَسَى اللَّه أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وكانَ اللَّه عَفُوًّا غَفُوراً ‹ 99 › ومَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّه يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وسَعَةً ومَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِه مُهاجِراً إِلَى اللَّه ورَسُولِه ثُمَّ يُدْرِكْه الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُه عَلَى اللَّه وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ‹ 100 › .

--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 305 .