محمد عزة دروزة

125

التفسير الحديث

في النظم القرآني . وقد مرّ منه أمثلة في سورة البقرة . وفي هذه السورة . والتناسب قائم بين الآية والآيات السابقة من ناحية كون الجميع فصولا تشريعية . ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الفصل السابق لها فوضعت بعده للمناسبة الظرفية والموضوعية . ومن المحتمل أن تكون نزلت في ظرف آخر فوضعت بعده للمناسبة الموضوعية . ثالثا : إن النهي عن الصلاة في حالة السكر في الآية يأتي كخطوة تشريعية ثانية في الخمر . والخطوة الأولى جاء في آية سورة البقرة [ 219 ] التي ذكرت أن إثم الخمر أكبر من نفعها . وقد عرض القرآن المكي بآثار خمر الدنيا وما تحدثه من أعراض كريهة ضارة أكثر من مرة في سياق وصفه خمر الآخرة وكونها مبرأة من ذلك . وهذه الخطوة الثانية ليست حاسمة أيضا لأنها إنما تنهى عن الصلاة في حالة السكر التي تنجم عن شرب الخمر . وقد نزل التشريع الحاسم الأمر بالانتهاء من شربها والجامع في الإثم بينها وبين الميسر والأنصاب والأزلام بعد مدة ما من هذه الآية في سورة المائدة . وفي هذا مشهد من مشاهد التطور التشريعي ، ودليل على تأصل تعاطي الخمر وشيوعه والانتفاع به اقتصاديا حتى اقتضت حكمة التنزيل هذا التدرج . رابعا : إن الأمر بالاغتسال من الجنابة يأتي هنا لأول مرة . وقد تكرر مرة ثانية في سورة المائدة في صيغة وإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ 6 ] وهذه وتلك من الآيات المدنية . وليس هناك حديث يمكن وصفه بأنه مكي الصدور عن النبي يوجب الاغتسال من الجنابة . غير أن المفسر القاسمي ينقل عن ابن عبد البرّ قوله إن أهل السير متفقون على أن الغسل من الجنابة قد فرض في مكة وإن هذا مما لا يجهله عالم . وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي عن أبي بن كعب جاء فيه « إن الفتيا التي يفتون بها إنما الماء من الماء كانت رخصة رخصها النبي صلى اللَّه عليه وسلم في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد » . وجملة إنما الماء من الماء تفيد أن نزول المني هو الذي يكون به الجنابة ويوجب الاغتسال . والحديث يفيد أن هذا تشريع نبوي مكي . ولعل العلماء الذين يحكي ابن عبد البر اتفاقهم استندوا إلى هذا الحديث . وشراح الحديث يذكرون أن الحديث يعني أن النبي أوجب في بدء الإسلام