محمد عزة دروزة
101
التفسير الحديث
إن الفقرة تقرر أن اللَّه قد جعل لكل ميت ورثة يرثون ما تركه وهم الآباء والأقربون والمتعاقدون . وهناك من قال إن اللَّه قد جعل لكل ما يتركه الآباء والأقربون والمتعاقدون ورّاثا . وكلمة * ( لِكُلٍّ ) * تجعل فيما يتبادر لنا المعنى الأول أوجه . وعلى هذا يكون تقدير الجملة ولكل ميت جعلنا ورثة مما ترك من آباء وأقربين ومتعاقدين . كذلك تعددت أقوالهم ( 1 ) في مدلول جملة * ( والَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) * وهناك من قرأها عاقدت بدلا من عقدت . وقال بعضهم إنها تعني الحليف حيث كان من العادات الجارية عند العرب قبل الإسلام أن يلتحق شخص بآخر باسم الولاء أو الحلف فيتعاقدا على تحمل كل منهما تبعة الآخر العصبية . فإذا مات أحدهما ورث الآخر سدس تركته . وقال بعضهم ( 2 ) إنها تعني الأبناء بالتبني حيث كان التبني يتمّ بعقد وصيغة مماثلة لعقد الولاء والحلف . وقال بعضهم إنها تعني ما تمّ في أول عهد الهجرة من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي اعتبرت بمثابة عقد ولاء وحلف . وقال بعضهم إنها تعني حق الأزواج في الإرث على اعتبار أن الزوجية تمت بين الزوجين بالتعاقد فصار لكل منهما حق في إرث الآخر وتركته ( 3 ) وننبه على أن المفسرين الذين أوردوا هذه الأقوال عزوها إلى بعض أصحاب رسول اللَّه وتابعيهم .
--> ( 1 ) انظر الكتب السابقة الذكر . ( 2 ) مما رواه الخازن أنه كان يستعمل في التعاقد على الولاء والحلف والتبني هذه الصيغة ، يقولها كل من المتعاقدين للآخر ماسكا كل منهما بيد صاحبه ( دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك ترثني وأرثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك ) والجملة الأخيرة تعني أن يدفع الواحد منهما نصيبا من الديات التي تطلب من الآخر لأن الديات تدفع من ذوي العصبية حينما تطلب من واحد منهم لأناس آخرين . وقد روى ابن كثير حديثا عن النبي جاء فيه : ( لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) حيث يفيد أن النبي ألغى هذا التقليد مع إقرار ما كان من قبل . ( 3 ) هذا القول معزو إلى أبي مسلم الأصفهاني على ما جاء في تفسير القاسمي . ومما قاله المفسر لتدعيم القول إن النكاح يسمى عقدا اقتباسا من جملة * ( ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ) * في آية سورة البقرة [ 235 ] .