محمد عزة دروزة

72

التفسير الحديث

ومستهدفة ما استهدفته من لفت نظر الناس جميعا إلى ما يقع تحت مشاهدتهم من آثار عظمة اللَّه وقدرته في كونه سماء وأرضا وبحرا ، وما يتمتعون به من نعم اللَّه وتيسيره للتدليل على وجوده وعظمته ومطلق تصرفه . وللتنديد بالشك في صدق ما يعد به وقدرته على تحقيقه . والجحود بنعمه وعدم الاستشعار بخشيته والخضوع التامّ له وحده ونبذ ما سواه . ولقد شرحنا في سورة لقمان مدى ومعنى تسخير اللَّه ما في السماوات والأرض للناس فنكتفي بالإشارة إلى ذلك في مناسبة ما جاء هنا من مثله . وللصوفيين تفسير عجيب للآية [ 63 ] جاء فيه أن معناها : ( أنزل اللَّه مياه الرحمة من سحائب القربة وفتح إلى قلوب عباده عيونا من ماء الرحمة . فأنبتت فاخضرّت بزينة المعرفة . وأثمرت الإيمان وأينعت التوحيد . وأضاءت بالمحبة فهامت إلى سيّدها واشتاقت إلى ربّها فطارت بهمّتها . وأناخت بين يديه وعكفت فأقبلت عليه . وانقطعت عن الأكوان أجمع . إذ ذاك آواها الحقّ إليه وفتح لها خزائن أنواره وأطلق لها الخيرة في بساتين الأنس ورياض الشوق والقدس ) ( 1 ) وفي هذا ما فيه من شطح . . . لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوه فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ‹ 67 › وإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّه أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ‹ 68 › اللَّه يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيه تَخْتَلِفُونَ ‹ 69 › أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ والأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ ‹ 70 › . « 1 » منسكا : قيل إن الكلمة هنا بمعنى شريعة . وقيل إنها بمعنى مكان العبادة أو مكان تقريب القرابين . ونحن نرجّح الأول . وجّه الخطاب في هذه الآيات إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم متضمنة تقرير ما يلي :

--> ( 1 ) التفسير والمفسرون للذهبي ج 3 ص 54 .