محمد عزة دروزة
52
التفسير الحديث
فأحلَّت جملة * ( فَكُلُوا مِنْها ) * ذلك للمسلمين كما قالوا مثل هذا في المناسبة السابقة وهو وجيه . ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الأمر بالأكل هو على سبيل الرخصة والإباحة وحسب . تعليق على جملة * ( لَنْ يَنالَ اللَّه لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُه التَّقْوى مِنْكُمْ ) * وقد قال المفسرون في صدد هذه الجملة ، واستنادا إلى الروايات ، أن العرب كانوا يلطَّخون جدران الكعبة بدماء القرابين . وأن هذه الجملة لصرف المسلمين عن هذه العادة الجاهلية . ولا نستبعد ذلك ، كما أنه ليس من المستبعد أن تكون تعبيرا أسلوبيا لبيان كون هدف وصايا اللَّه وحدوده في شعائر القرابين وغيرها ، إنما هو إثارة التقوى في قلوب عباده حتى يجتنبوا الآثام والمحظورات ويقبلوا على الأعمال الصالحة المفيدة . ومهما يكن قصد الآية ، فإنها قد احتوت تنبيها بليغا فيه إشارة إلى جوهر وهدف الشريعة الإسلامية . فاللَّه لا ينتفع بصلاة الناس ولا بصومهم ولا بقرابينهم ولا بتوجيه وجوههم قبل مشرق أو مغرب . وإنما يتوخّى من كل ما يأمر به من هذه الأشكال إثارة التقوى في قلوبهم ، وحملهم على تحرّي الخير والبرّ والعمل الصالح ، وفي هذا ما فيه من تلقين جليل . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا صحيحا جاء فيه : « إنّ اللَّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . وهذا الحديث ورد في التاج معزوّا إلى أبي هريرة ومن رواية مسلم وابن ماجة وبفرق هو بدل ألوانكم أموالكم ( 1 ) . وينطوي في الحديث تلقين متساوق مع التلقين المنطوي في الآية كما هو واضح .
--> ( 1 ) التاج ج 1 ص 47 .