محمد عزة دروزة
32
التفسير الحديث
ولقد حمل الشيعة القول المروي عن علي بن أبي طالب ( رضي اللَّه عنه ) بأنه أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ، على كون الخصومة التي يجثو لها هي مع الذين ناوأوه في حقّه من الإمامة . وهذا من غرائب تخريجاتهم ، فعلي رضي اللَّه عنه بايع برضائه وتعاون مع أبي بكر وعمر وعثمان ( رضي اللَّه عنهم ) مثل سائر أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وما كان ليفعل ذلك لو كان يعتقد أن اللَّه ورسوله قد قررا حقّ التقدم له في خلافة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وليس هو أضعف منهم عصبية وشخصية وما كان يمكن أن يقبل ذلك غالبية أصحاب رسول اللَّه بل كلهم . ونحب أن ننزهه عن القول المروي عنه . ونرجّح أن الهوى الحزبي قد لعب دوره فيه . فبالإضافة إلى الغرابة التي تبدو في التخريج ، فإن القول بحدّ ذاته يبدو غريبا وغير مفهوم المدى . ولقد روى الطبري والبغوي ، كل بطريقه ، عن أبي هريرة في سياق جملة * ( يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ‹ 19 › يُصْهَرُ بِه ما فِي بُطُونِهِمْ ) * حديثا عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « إن الحميم ليصبّ على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه ، فيسلق ما في جوفه حتى يبلغ قدميه ، وهو الصهر ثم يعاد إلى ما كان » . وأورد ابن كثير في سياق جملة * ( ولَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ) * حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : لو أنّ قمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض » . وحديثا آخر رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد أيضا عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتّت ثم عاد كما كان ، ولو أن دلوا من غسّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا » . والحديث الأول رواه الترمذي أيضا ( 1 ) كما روى الترمذي الشطر الثاني من الحديث الثاني أيضا ( 2 ) . ووصف هول العذاب الأخروي والتخويف منه مما يلمح من الحكمة في الحديثين . وهو ما يلمح من الحكمة في الآيات بالإضافة إلى وجوب الإيمان بما جاء
--> ( 1 ) التاج ج 5 ص 390 و 391 . ( 2 ) المصدر نفسه .