محمد عزة دروزة

26

التفسير الحديث

ولقد استقرّ في الأذهان أن هذه التسمية هي للنحلة الموجودة في العراق الآن ، والتي يطلق عليها اسم الصبّة الذي يظنّ أنه تحريف ( الصبا ) أو ( الصبئة ) ، بل إن بعض المفسرين قالوا هذا فيما قالوه . ومعروف أن بين رجال الأدب العربي القديم أفراد مشهورون من هذه النحلة احتفظوا بنسبتهم إليها منهم أبو إسحاق الصابي . ولقد أورد بعض المفسرين ( 1 ) قصة حول هذه النحلة ، وهي أن المأمون مرّ بقرية فيها طائفة تعبد الكواكب فأراد أن يعتبرها من المشركين وأن لا يقبل منهم الجزية ، فقيل له : إنهم ( الصابئون ) المذكورون في القرآن مع اليهود والنصارى وينسحب عليهم ما ينسحب على هؤلاء ، فأبقاهم على الذمة وأخذ منهم الجزية . ونعتقد أن الربط بين صبّة العراق والصابئين في عهد المأمون وبعده وبين التسمية القرآنية وهم وتجوّز ، أو بالأحرى تلفيق مرتجل بعد الإسلام . إلى جانب هذا نذكر أن الكلمة اشتقاق عربي أصيل من صبا أو صبأ بمعنى مال وانحرف ( 2 ) ، وقد ورد اشتقاق منها في آية سورة يوسف هذه : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه وإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ‹ 33 › بمعنى الميل أو الانحراف ونذكر كذلك أن العرب في عهد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانوا يقولون للذي يفارق دين آبائه ويدخل في دين جديد ( صابىء ) وأنهم سموا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بهذا الاسم وسموا به المسلمين الأولين لأول عهد الإسلام . وكانوا ينعتونهم بالصبأة والصابئين . ولقد روى ابن هشام ( 3 ) أن عمر بن الخطاب ( رضي اللَّه عنه ) كان يقول عن النبي إنه صابىء وإنه لما أسلم وجاء لأول مرة بعد إسلامه إلى فناء الكعبة قال المجتمعون : إن ابن الخطاب قد أقبل عليهم بوجه صابىء . وفي صحيح البخاري أن امرأة بدوية عبّرت عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقولها : ( ذلك الذي يقولون عنه الصابىء ) . وفي « أسد الغابة » حديث عن الحارث الغامدي أنه رأى جماعة من

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه . ( 2 ) انظر لسان العرب . ( 3 ) ابن هشام ج 1 ص 311 .