محمد عزة دروزة
19
التفسير الحديث
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَه اللَّه فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُه ما يَغِيظُ ‹ 15 › . « 1 » بسبب : بحبل . « 2 » كيده : هنا بمعنى عمله أو محاولته . الآية تأمر الذي يظنّ أن اللَّه لن ينصره في الدنيا والآخرة بتعليق حبل في السقف ، وشنق نفسه به ليرى ما إذا كان هذا العمل يشفي غيظه ويذهب حنقه . ولقد روى الطبري والبغوي وغيرهما ، أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان ، الذين كانوا حلفاء لليهود وتباطأوا عن الإسلام وقالوا نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا . والرواية تقتضي أن تكون الآية مدنية ولم يذكر المفسرون ذلك صراحة . وكما استعدنا الرواية المروية في سياق الآيات [ 11 - 13 ] والتي تقتضي أن تكون هذه الآيات مدنية لأسباب ذكرناها نستبعد هذه الرواية لنفس الأسباب . وليس من الضرورة أن تكون الصورة صورة مدنية وحسب . وما دام وجد في العهد المكي من يرتدّ عن دينه استحبابا للحياة الدنيا ، يصحّ أن يوجد فيه من يظنّ ما ذكرته الآية من ضعاف الإيمان والعصبية من مسلمي هذا العهد أيضا . ويتبادر لنا أن الآية جاءت كتعقيب آخر على تلك الآيات التي نددت بالذين يعبدون اللَّه على حرف ويجعلون إخلاصهم رهنا بما يصيبهم من رحمة اللَّه وبرّه . وقد انطوت على توبيخ وتقريع ساخرين . وعلى تقرير كون الإنسان لا يصحّ أن يؤمن إلَّا على شرط أن لا يناله إلَّا الخير . وكون الإيمان باللَّه مسألة مستقلة لا علاقة لها بأعراض الدنيا المتقلَّبة على الناس ، وكون واجب المؤمن التأميل في رحمة اللَّه ونصره في الدنيا والآخرة لأن ذلك مما وعده اللَّه به ، وكون البطء في تحقق هذا الوعد والجزع والهلع واليأس منه غير متّسق مع معنى الإيمان باللَّه والثقة به والاعتماد عليه . وعلى من لا يتدبّر ويرعوي ويصدق أن يشنق نفسه ! وكما أن شنق الإنسان لنفسه لن يشفيه من غيظه وغير ضارّ بغيره فكذلك المغيظ المحنق