محمد عزة دروزة

151

التفسير الحديث

تعليق على جملة * ( وما يُضِلُّ بِه إِلَّا الْفاسِقِينَ ) * وما بعدها وهذه الجملة من الجمل القرآنية المحكمة التي يصح أن تكون مفسرة لكل ما يأتي مطلقا من آيات الهدى والضلال ، حيث ينطوي فيها تقرير كون الضلال هو نتيجة للفسق المنبثق عن سوء النية وخبث الطوية وفساد الخلق ، وحيث يتسق هذا مع التقريرات القرآنية المحكمة في صدد كون اللَّه قد بين للناس طريق الهدى والضلال بواسطة رسله وكتبه ، وأودع فيهم قابلية التمييز والاختيار ، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها ، مما نبهنا عليه في المناسبات الكثيرة السابقة . وفي الآية التي تلي هذه الجملة وصف قوي للفاسقين ، ومظاهر فسقهم نحو اللَّه والناس فهم ينقضون عهد اللَّه من بعد ما ارتبطوا به ، ويقطعون ما أمر اللَّه به أن يوصل من رحم ، وفعل برّ وخير وتعاون وتضامن ، ويفسدون في الأرض بأفعالهم وأقوالهم . ولقد تعددت الأقوال التي يرويها الطبري وغيره عن المؤولين السابقين في المقصود بالفاسقين منها أنهم المنافقون ، ومنها أنهم كفار أهل الكتاب ، ومنها أنهم الكفار من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين جميعا . بل هناك من قال إنهم الخوارج . والقول الأخير هو على ما هو المتبادر من وحي الأحداث والاجتهاد في التطبيق . والأفعال المنسوبة إلى ( الفاسقين ) في الآية تدل على أن المقصودين ليسوا الكفار والمشركين مطلقا وإنما الناقضين للعهد والقاطعين لما أمر اللَّه به أن يوصل والمفسدين في الأرض . وقد يكون هذا يسوغ ترجيح المنافقين الذين كان نفاقهم بمثابة نقض لما عاهدوا اللَّه ورسوله عليه من الإيمان . ومما أدى إلى حالة الكره والشقاق والقطيعة والبغضاء بينهم وبين أقاربهم ثم إلى حالة الاضطراب والبلبلة والفساد بما كان من مساعيهم الهادفة إلى إفساد حالة الإسلام والمسلمين ،