محمد عزة دروزة
149
التفسير الحديث
توكيده وقطع ما أمر اللَّه به أن يوصل والفساد في الأرض ، ومن كان هذا شأنه فهو الخاسر الخائب حقا . وفي الآيتين الأخيرتين : تعقيب تنديدي بالكفار في صيغة التساؤل الإنكاري عن جرأتهم على الكفر باللَّه وانحرافهم عن سبيله ، وهو الذي أحياهم بعد أن كانوا أمواتا ثم يميتهم ثم يحييهم ، وإليه مرجعهم في النهاية . كما أنه هو الذي خلق لهم ما في الأرض جميعا لينتفعوا به ويتمتعوا ، وهو الذي استوى بعد خلق الأرض إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، وهو العليم بكل شيء . وجمهور المؤولين الذين يروي الطبري وغيره أقوالهم على أن جملة * ( وكُنْتُمْ أَمْواتاً ) * هي بمعنى كنتم عدما أو لا شيء ، وهو تأويل وجيه . ولقد روى المفسرون ( 1 ) عزوا إلى ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والتابعين روايتين كسبب لنزول الآية الأولى . واحدة تذكر أن اللَّه لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت والنمل قال المشركون أو قال اليهود والمشركون معا : ماذا أراد اللَّه بذكر هذه الأشياء الخسيسة ، وإنه أجل من أن يضرب بها الأمثال . والثانية جاء فيها أن اللَّه لما ضرب المثلين اللذين وردا في الآيات السابقة أي مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وكَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ للمنافقين قال المنافقون : اللَّه أعلى وأجل من ضرب هذه الأمثال . والمتبادر أن الرواية الثانية هي الأكثر مناسبة للمقام ولا يرد على هذا كون المنافقين لم يذكروا وإنما ذكر * ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) * فوصف المنافق المتفق عليه هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر . وقد نعتهم القرآن بالكفر في آيات عديدة على ما ذكرناه في التعليق السابق عنهم . ولما كانت الآيات الثلاث منسجمة مع الآية الأولى موضوعا وهدفا ، فالمتبادر كذلك أنها نزلت معا ، وأن الآية الأولى لم تنزل لحدتها . وعلى ضوء هذه الرواية تبدو الصلة بين هذه الآيات وما قبلها واضحة . ومن المحتمل أن تكون نزلت بعدها بسبيل الرد والتنديد بالكفار لاعتراضهم
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والخازن .