محمد عزة دروزة

143

التفسير الحديث

الرسالة المحمدية جاءت نورا يهتدي به الناس وقد رآه المنافقون فاهتدوا به ثم غلب عليهم خبث نواياهم فكفروا أو نافقوا وعموا عن النور وخسروا . ولقد أول جمهور المفسرين جملة * ( ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ ) * بأن اللَّه قد أطفأ النار التي أوقدوها فلم يعودوا يرون شيئا . ويتبادر لنا أن التعبير أسلوبي على ما جرى عليه النظم القرآني وأن شرحنا للجملة آنفا هو أكثر اتساقا مع روح الآيات . فالنور الذي لاح هو نور الرسالة المحمدية ولم يكن اللَّه ليطفئه . وإنما هم الذين غلبت عليهم نياتهم الخبيثة فلم يعودوا يرونه . وجملة * ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) * مما يدعم هذا التوجيه فقد أحرزوا الهدى بإيمانهم ثم باعوه واستبدلوا النفاق والضلال به فهم المسؤولون عن النتيجة التي هي من فعلهم وكسبهم . ونقول هذا ما قلناه في صدد وصف الكافرين في الآية السابقة لفصل المنافقين . ففي هذا الفصل تسجيل لواقع أمر المنافقين حينما نزلت الآيات ، وليس على سبيل التأبيد إلَّا للذين ماتوا على نفاقهم مع التنبيه على أن كثيرا منهم تابوا وحسن إسلامهم . ولقد أورد المفسرون في سياق ذكر البرق والرعد والصواعق روايات عن أهل الصدر الأول عن ماهيات هذه الظواهر . وقد أوردناها في سياق آيات الرعد [ 12 - 13 ] والروم [ 24 ] التي وردت فيها هذه الكلمات . والروايات بعد غير وثيقة السند والبيانات لا تتسم بسمة العلم . والمتبادر أنها مما كان يقال عن هذه الظواهر في بيئة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وغيرها وقت نزول القرآن . والآيات تسوق ما يعرفه الناس ويشاهدون آثاره على سبيل التمثيل والتنديد والوصف . والأولى أن تبقى في هذا النطاق دون تزيد وتخمين لا ضرورة لهما ولا طائل بالنسبة لأهداف الآيات ومقامها . وللسيد رشيد رضا ( 1 ) تقرير وجيه في هذا الصدد حيث قال : إن ذلك ليس من مباحث القرآن . وإنما تذكر الظواهر الطبيعية في القرآن لأجل الاعتبار

--> ( 1 ) انظر تفسيرها في الجزء الأول من تفسير المنار .