محمد عزة دروزة
134
التفسير الحديث
إزاء الدعوة المحمدية حين نزولها وهم المؤمنون الصادقون والكافرون المكابرون ، والمنافقون الكاذبون المخادعون . والوصف القوي الذي وصف به المنافقون في الآيات ، والتنديد الشديد الذي ندد بهم فيها ، يدلان على ما كان لظهور هذه الطبقة من خطورة وأثر . ولقد احتوت آيات قرآنية كثيرة في سور مدنية عديدة صورا كثيرة متنوعة عن حركة النفاق والمنافقين ، وما كانوا يقفونه من مواقف ضد الإسلام والنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومصلحة المسلمين كانت حقا شديدة الخطورة والأثر على ما سوف نشرحه في مناسباته . ولقد كان منافقون من أهل المدينة ومنافقون من الأعراب ، غير أن نفاق منافقي المدينة هو الأبكر والأشد خطورة وأثرا . والأرجح أن الآيات إنما عنت هؤلاء . ولقد ذكر المفسرون ( 1 ) أن كلمة * ( شَياطِينِهِمْ ) * مصروفة إلى اليهود ، وهو وجيه ومتسق مع مفهوم الآيات ، حيث يفهم منها أن المنافقين شيء وشياطينهم شيء آخر ، حتى ولو كانوا زعماءهم ، بل إن العبارة تفيد أن الموصوفين هم من الزعماء مما فيه توكيد للتوجيه . وفي القرآن المدني آيات كثيرة تؤيد أن المنافقين وزعماءهم خاصة كانوا حلفاء مع اليهود ضد الدعوة الإسلامية ، وأن اليهود كانوا يوسوسون للمنافقين ويوجهونهم في طرق الكيد والمكر والتشكيك . من ذلك آيات سورة النساء هذه : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ‹ 138 › الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّه جَمِيعاً ‹ 139 › ( 2 ) وآيات سورة محمد هذه : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وأَمْلى لَهُمْ ‹ 25 › ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّه سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ واللَّه يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ‹ 26 › ( 3 ) .
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي . ( 2 ) المقصود من الكافرين هنا اليهود . انظر تفسير الآية في تفسير الخازن مثلا . ( 3 ) هذه الآيات ليست كل ما ورد في هذا الصدد انظر آيات سورة المجادلة [ 14 ] وسورة الحشر [ 11 ] وسورة المائدة [ 52 - 53 ] .