محمد عزة دروزة
131
التفسير الحديث
بكتب اللَّه المنزلة على الأنبياء السابقين فآمنوا ، ونرى هذا هو الأوجه وقد أخذنا به في شرح الآيات . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ‹ 6 › خَتَمَ اللَّه عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ‹ 7 › . في الآيتين تقرير بأن الكفار لا يؤمنون سواء أأنذرهم النبي أم لم ينذرهم لأن قلوبهم مغلقة عن فهم الحق ، وآذانهم مسدودة عن سماعه ، وأبصارهم معمية عن رؤية نوره ، وقد استحقوا من أجل ذلك عذاب اللَّه العظيم . ولم نطلع على رواية خاصة بنزول الآيتين والمتبادر أنهما جاءتا استطرادا تعليليا لموقف الكفار ومكابرتهم وللمقابلة بين موقفهم وموقف المتقين الذين اهتدوا بهدى القرآن . فهؤلاء ذوو رغبة صادقة في الهدى يخشون اللَّه فآمنوا وصدقوا حينما سمعوا القرآن ورأوا أعلام الحق ، في حين انفقدت النية الحسنة والرغبة الصادقة في الكفار فكأنما انغلقت قلوبهم وسدت آذانهم وعميت أبصارهم . ومضمون الآيتين تكرر في مواضع عديدة من القرآن المكي ، وقد أولناه هنا بما أولنا به ما يماثله في المواضع المكية لأن هذا هو المتسق مع روح القرآن وتلقينه ومضامينه ثم مع الإنذار بالعذاب العظيم للكفار ثم مع تعبير * ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) * الذي هو صريح بصدور الكفر عنهم . وفي آيات سورة يس هذه توضيح وتأييد : وجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ‹ 9 › وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ‹ 10 › إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْه بِمَغْفِرَةٍ وأَجْرٍ كَرِيمٍ ‹ 11 › حيث تضمنت كون الكافرين هم الذين خبثت سرائرهم وقست قلوبهم ، وكون المؤمنين هم الذين رغبوا في اتباع الحق وآمنوا باللَّه واستشعروا خوفه .