محمد عزة دروزة
18
التفسير الحديث
أولئك قوم قد عجلت طيباتهم في الحياة الدنيا » . وحديث عن جابر بن عبد اللَّه قال : إنّ عمر رضي اللَّه عنه رأى لحما معلقا في يدي فقال : ما هذا يا جابر ؟ فقلت له : لحم اشتريته . فقال : أو كلما اشتهيت شيئا يا جابر اشتريته ؟ أما تخاف هذه الآية : * ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ) * . وقد علق البغوي المفسر على ذلك في سياق تفسير الآية قائلا : لما وبّخ اللَّه الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه الصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة ، ثم أخذ يروي بعض أحاديث عن شظف عيش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه ومنها حديث عن عائشة جاء فيه : « ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم » وحديث آخر عنها جاء فيه : « لقد كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا وما لنا إلَّا الماء والتمر غير أنّ اللَّه جزى نساء من الأنصار خيرا كنّ يهدين إلينا شيئا من اللبن » . ومنها حديث عن عبد الرّحمن بن عوف رضي اللَّه عنه أنه أتى بطعام وكان صائما فقال : قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفّن في بردة إن غطَّي بها رأسه بدت قدماه وإن غطَّي بها رجلاه بدا رأسه ، وقتل حمزة وهو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وأعطينا منها ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجّلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام . ومما أورده الطبري « أن عمر بن الخطاب قال : لو شئت كنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا ولكني أستبقي طيباتي » . و « أنه لما قدم الشام صنع له طعام لم يصنع مثله فقال : هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير ؟ قال خالد بن الوليد : لهم الجنّة ، فاغرورقت عينا عمر وقال : لئن كان حظَّنا في الحطام وذهبوا بالجنّة لقد باينونا بعيدا » و « أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم دخل على أهل الصفّة وهي مكان يتجمع فيه فقراء المسلمين وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا قال : أنتم اليوم خير أو يوم يغدو أحدكم في حلَّة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة . قالوا : نحن يومئذ بخير ؟ قال : بل أنتم اليوم خير » . و « قال أبو هريرة : إنما كان طعامنا مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم الأسودين الماء والتمر واللَّه ما كنّا نرى سمراءهم هذه ولا ندري ما هي » . ومما