محمد عزة دروزة
94
التفسير الحديث
لكلمتي الأعمى والبصير . والمقام قد يتحمل ذلك وإن كان احتمال حقيقة العمى والإبصار فيه أقوى ورودا فيما روي على سبيل التمثيل والمقارنة . تعليق على آية * ( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّه ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ) * والآية متصلة بالسياق اتصال تعقيب وتوضيح كما هو المتبادر وضمير الجمع المخاطب فيها عائد إلى الكفار المشركين موضوع الآيات السابقة التي حكت مواقفهم وتحديهم ونددت بهم وأنذرتهم . وهي قوية رائعة نافذة في تقريرها طبيعة النبي صلى اللَّه عليه وسلم البشرية ومهمته التبشيرية والإنذارية وفي أمرها للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بأن يقول إنه ليس ملكا ، وليس عالما بالغيب وليس مالكا لخزائن اللَّه وبأن ليس له إلَّا أن يقف عند حدود ما يوحى إليه به . وقد سبق تقرير ذلك وأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقوله في سورتي الأعراف ويونس . ولقد رأينا المفسر الخازن يقول في سياق تفسيره للآية إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم إنما نفى عن نفسه ما نفاه تواضعا للَّه واعترافا بالعبودية له . وهو قول غريب ، وقد غفل المفسر عن أن ما نفاه عن نفسه هو حقيقة منبثقة من طبيعة النبي البشرية التي قررها القرآن مرة بعد أخرى ، وعن أن اللَّه تعالى هو الذي أمره بقول ذلك ، وليس الكلام من النبي مباشرة . وهذا لا يمنع من القول بأن موقف النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان ولا شك رائعا أخاذا حينما نفذ أمر اللَّه تعالى فأعلن للناس جميعهم المؤمنين منهم والمشركين على السواء ما أمر بنفيه عن نفسه . وأَنْذِرْ بِه الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِه وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‹ 51 › ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ‹ 52 › وكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ‹ 53 › وإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ أَنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِه وأَصْلَحَ فَأَنَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ‹ 54 › وكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ‹ 55 ›