محمد عزة دروزة
86
التفسير الحديث
السماء طائر إلا هو من خلقه تتناولهم قدرته ويجري فيهم حكمه وتدبيره . وأنه ليس من شيء يمكن أن يفلت من علمه ويخرج من نطاق تصرفه وحكمه ، وأن كل مخلوق راجع أمره إليه ، وأن الذين يكذبون بآيات اللَّه الماثلة لعيانهم في كل شيء والتي تنبههم إليها آيات القرآن هم في موقفهم التعجيزي الذي يطالبون فيه بآية جديدة كالصمّ الذين لا يسمعون ، والبكم الذين لا ينطقون ، وكالذين في الظلمات لا يرون شيئا فمن شاء اللَّه أضله ومن شاء جعله على طريق مستقيم . ولم يرو المفسرون رواية خاصة في صدد ما حكته الآيات من طلب الكفار آية من النبي صلى اللَّه عليه وسلم ينزلها عليه ربه . وعطف الآيات على ما قبلها ، وما بينها وبين ما قبلها من تماثل وانسجام يسوغ القول إنها استمرار في السياق بسبيل حكاية مواقف الكفار وتعجيزاتهم والتنديد بهم بصورة عامة . ويلفت النظر إلى أسلوب القرآن الحكيم في الإجابة على التحدي باستنزال الآية بما هو أولى ، فالكفار يتحدون النبي صلى اللَّه عليه وسلم باستنزال آية والقرآن يلفت نظرهم إلى آيات اللَّه العظيمة الماثلة لأعينهم في السماء والأرض والإنسان والدواب والطير . فمن لم يؤمن باللَّه واستحقاقه للعبادة وحده وعظمته بما يراه من هذه الآيات لا يؤمن بأية آية أخرى . ولا سيما أن الإيمان بذلك يتوقف على سلامة العقل والرغبة في الحق والنية الحسنة ولا ينبغي أن يكون متوقفا على معجزات خارقة وعابرة . وهذه المعاني تكررت في القرآن في سياق حكاية كل تحدّ مماثل صدر عن الكفار وهي معان قوية رائعة نافذة حقا . تعليق على آية * ( وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْه إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) * 1 - قال المفسرون ورووا عن أهل التأويل أن الشطر الأول من الآية يعني أن اللَّه جعل الدواب والطيور أصنافا مثل البشر ، تتصرف في حياتها بما أودعه اللَّه فيها كما يتصرفون ، وهذا وجه سديد .