محمد عزة دروزة

62

التفسير الحديث

منهم فكانت معجزة من معجزات القرآن . وذلك بما كان من عدم قدرتهم عليه رغم مؤامراتهم ، وثم بما كان من انتصاره عليهم وهزيمة الشرك الساحقة وهلاك معظم رؤساء المستهزئين والمناوئين ودخول الناس في اللَّه أفواجا ، ثم في سلامة النبي صلى اللَّه عليه وسلم من المكر والكيد والمؤامرات التي عمد أولئك الرؤساء إليها ضده والتي حكاها القرآن في آية سورة الأنفال هذه : وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ‹ 30 › . ونقف عند جملة * ( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) * لنقول إنها كما قلنا بسبيل تثبيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم في الظرف الذي نزلت فيه وينبغي أخذها على هذا الاعتبار لا على اعتبار أمر اللَّه لنبيه بإهمال المشركين وتجاوزهم . فدعوة المشركين إلى اللَّه من مهمة النبي الأصلية . والقرآن واصل أوامره للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بمواصلة الجهد في سبيل هذه المهمة . والنبي ظل يواصلها فعلا والأمر * ( فَاصْدَعْ ) * ينطوي على وجوب هذه المواصلة بحيث يكون معنى * ( وأَعْرِضْ ) * في مقامها ( لا تأبه بمناوأتهم ) وقد تكرر مثل هذا في المواقف المماثلة ومرت أمثلة منه في السور التي سبق تفسيرها . وبعضهم يرى أن الجملة ترك المشركين وشأنهم وأنها نسخت بآيات القتال في العهد المدني ، وقد يصدق النسخ بالنسبة لمن وقف وظل يقف من الإسلام والمسلمين موقف الأذى والعدوان ، وهذا ما نبهنا عليه في المناسبات السابقة أيضا .