محمد عزة دروزة

340

التفسير الحديث

وثانيا : إنها مروية عن ابن عباس مع أن رواية كون الآية نزلت بمناسبة مراجعة أناس من المشركين للنبي صلى اللَّه عليه وسلم التي رواها البخاري قد رواها ابن عباس أيضا . وثالثا : إن الآية منسجمة انسجاما تاما مع الآيات التالية لها إلى آخر الآية [ 59 ] وإن القول إنها أو إنها والآية [ 54 ] فقط مدنيتان غير مستقيم . وتبعا لذلك نشك في رواية مدنية الآية أو الآيتين ونشك بالتالي في رواية كونهما نزلتا في شأن وحشي أو في شأن النفر الذين ارتدوا ولم يهاجروا مع المهاجرين . وكل ما يمكن احتماله أن تكون الآية ذكرت لهم أو لهم ولو حشي على سبيل الترغيب والتشجيع والتأميل . والرواية الثانية التي رواها البخاري هي الأكثر احتمالا ولا يضعف هذا الاحتمال جمع الرواية هذه الآية مع آية الفرقان التي نزلت قبلها بمدة طويلة . فمن الممكن أن يفرض أن مراجعات أناس من المشركين للنبي صلى اللَّه عليه وسلم في مكة قد تكررت فنزلت أولا آيات الفرقان ثم آيات الزمر التي نحن في صددها فجمع ابن عباس رضي اللَّه عنه المناسبات المتكررة مع بعضها في روايته . وروح الآيات ومضمونها تدعم هذه الرواية أو بعبارة ثانية تدعم كون الآيات موجهة في الدرجة الأولى إلى المشركين والكفار . وقد حكت ما سوف يبدونه من ندم وحسرة لإضاعتهم الفرصة . وفي الآية الأخيرة دليل حاسم . وكل هذا يسوغ القول بجزم أن الآيات سلسلة واحدة متماسكة لا يصح فصل بعضها عن بعض وهي في مجموعها في صدد حث الكفار على الإنابة إلى اللَّه والاستجابة إلى دعوة الإسلام والترغيب في ذلك وهم في سعة من الوقت والتحذير من إضاعة الفرصة بالإهمال والتباطؤ . وروح الآيات ومضمونها مجتمعة تسوغ استغراب ما قاله بعض المفسرين أو رووه عن بعض أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : أن الآية الأولى أرجى آية في القرآن أو أن الإطلاق فيها يجعل تقييد غفران الذنوب بالتوبة هو خلاف الظاهر . فإذا كانت الآية تقول : * ( إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) * فإن الآية التي تلتها ردفت ذلك بالحث على سرعة الإنابة إلى اللَّه واتباع أحسن ما أنزل وبالتحذير من التباطؤ والإهمال وما