محمد عزة دروزة

331

التفسير الحديث

أن يشركوهم مع اللَّه ولو لم يكن لهم من أمر الكون شيء ولو لم يعقلوا شيئا مما يوجه إليهم من دعاء وعبادة . وأمر آخر له بأن يقرر أن الشفاعة جميعا هي للَّه وحده الذي له ملك السماوات والأرض وإليه مرجع الجميع في النهاية . في الآيات عود على بدء في صدد محاججة الكفار وحكاية عقائدهم وتسفيههم عليها . وهي من هذه الناحية ليست منقطعة الصلة بالآيات السابقة سياقا وموضوعا ، ولعلها من ناحية ما استمرار لما احتوته تلك الآيات من حجج مفحمة بسبيل توكيد عجز شفعائهم وشركائهم عجزا تاما في جميع الحالات . وتعبير * ( لِلَّه الشَّفاعَةُ ) * هنا تعبير أسلوبي على ما يتبادر لمقابلة تعبير * ( شُفَعاءَ ) * وما يرتجى منهم من الشفاعة . والمقصد منه تقرير كون دفع الضرر وجلب الخير اللذين يتوسل بالشفعاء لدى اللَّه لنيلهما هما في يد اللَّه وحده وأنه هو وحده المرجّى . وتعبير * ( ولا يَعْقِلُونَ ‹ 43 › ) * في الآية الأولى يلهم أن المقصود من الشفعاء هنا هو الأصنام لا الملائكة . هذا في حين أن آيات عديدة أخرى ومنها ما ورد في هذه السورة تقرر أن المشركين كانوا يتخذون الملائكة شفعاء لهم عند اللَّه . ولقد ذكرنا في سياق تفسير سورة النجم أن المشركين كانوا يعبدون أصنام اللاة والعزى ومناة على اعتبار أنها رموز للملائكة أو هياكل لها في الأرض ، استلهاما من روح الآيات ومضامينها . فيقيمون عندها طقوسهم ويقربون عندها قرابينهم على هذا الاعتبار ، وبهذا يزول الإشكال ويتم التساوق كما هو المتبادر . على أن من المحتمل أن يكون بعض المشركين كانوا ينسون الرمزية في الأصنام ويتوسلون بها إلى اللَّه مباشرة ، وأن الآية قد قصدت ذلك في تنديدها ووصفها . وإِذا ذُكِرَ اللَّه وَحْدَه اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ‹ 45 › قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيه يَخْتَلِفُونَ ‹ 46 ›