محمد عزة دروزة

315

التفسير الحديث

حديث رسول اللَّه يضارع حديث اللَّه أو يغني عنه . والشطر الثاني من الآية يدعم ذلك ويفسر مدى شطرها الأول حيث يسوغ القول إنها في صدد التنويه بالمؤمنين الأولين الذين اهتدوا وتأثروا بالقرآن ومواعظه وتساوقه وانسجامه وروحانيته أقوى التأثر . والآية بعد فيما هو المتبادر متصلة بسابقتها ومعقبة عليها . فقد احتوت السابقة تنويها بمن شرح اللَّه صدره للإسلام وتنديدا بقساة القلوب عند ذكر اللَّه فجاءت هذه الآية تبين ما هو ذكر اللَّه وما هو أثره في القلوب الصافية السليمة . ولقد روى البغوي بطرقه في سياق هذه الآية عن عروة بن الزبير قال : « قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يفعلون إذا قرىء عليهم القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم اللَّه عزّ وجلّ تدمع أعينهم وتقشعرّ جلودهم » . حيث ينطوي في الحديث توكيد تطبيقي لأثر القرآن في أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الأولين رضي اللَّه عنهم . ومعجزة الآية في المؤمنين مستمرة المدى في كل ظرف ومكان ، فلن يسمع القرآن مؤمن يخاف اللَّه ولا يكابر في آياته إلَّا استشعر بروحانيته وخشع قلبه له . ويستوي في هذا العربي الذي يفهم لغة القرآن والأعجمي إذا سمع ترجمة معانيه ترجمة صادقة . هذا ، وليس من محل للاستشكال في الآية بسبب الإطلاق في عبارة : * ( ذلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِه مَنْ يَشاءُ ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ هادٍ ‹ 23 › ) * فإن الإشكال يزول بآيات عديدة أخرى قرنت فيها هداية اللَّه وإضلاله بأسبابها ونص فيها على أن اللَّه إنما يضل الفاسقين والظالمين أي الذين فسدت أخلاقهم وساءت نياتهم ، وإنما يهدي إليه من أناب أي من رغب في الحق والهدى على ما نبهنا إليه في مناسبات عديدة سابقة . ولقد روى البغوي بطرقه في سياق هذه الآية حديثا عن عباس بن عبد المطلب قال : « قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية اللَّه تحاتت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها » . وحديثا آخر جاء فيه : « إذا اقشعر